عظة خميس الأسرار في عشاءِ الربّ
القدس، كنيسة القيامة
خروج 12: 1-8، 11-14؛ 1 كورنثوس 11: 23-26؛ يوحنا 13: 1-15
أيها الإخوة والأخوات الأعزاء،
ليمنحكم الرب السلام!
نحن في المكان الذي حجب فيه الحجر يوماً الموت. ومع ذلك، نحن هنا اليوم للاحتفال بالحياة. ولكن لا يمكننا تجاهل أن الأجواء مشحونة: فمن الخارج، أبواب كنيسة القيامة مغلقة، لقد حولت الحرب هذا المكان إلى ملاذ، داخلاً منفصلاً عن خارجٍ مثقلٍ بالتوتّر. نحن هنا وكأننا داخل رحم من السلام، بينما العالم من حولنا يُمزق نفسه، ونتمنى تغيير هذا.
ومع ذلك، هنا والآن، تضع كلمة الله أمامنا تصرفاً يقلب تفكيرنا البشري رأساً على عقب.
في إنجيل يوحنا، نقرأ: «فقامَ عنِ العَشاءِ فَخَلَعَ ثِيابَه، وأَخَذَ مِنديلًا فَائتزر به» (يو 13: 4). هذا الفعل، «اتّزر»، بصِيَغه المختلفة، يتردّد صداه في الكتاب المقدّس كلّه. إنّه الفعل نفسه الذي يعود في سفر الخروج، حين يعطي الربّ تعليماته للفصح: «هَكَذا تَأكُلونَهُ: تَكونُ أَحقاؤُكُم مَشدودَةً، وَنِعالُكُم في أَرجُلِكُم، وَعِصِيُّكُم في أَيديكُم. وَكُلوهُ بِعَجَلَة. إِنَّهُ فِصحٌ لِلرَّبّ.» (خروج 12: 11). إن شدّ الأحقاء في الكتاب المقدّس هو فعل من يستعدّ للانطلاق، من يوشك على الخروج، ليترك أرض العبودية ليدخل في الحرية. في تلك الليلة، لقد أكل شعب إسرائيل الحمل وأحقاؤهم مشدودة لأنّهم كانوا على وشك الخروج. كان الحزام علامة عبورٍ وشيك.
والآن، يسوع، في ساعة انتقاله، يشدّ أحقاءه. لكنّه لا يشدّها ليذهب بعيدًا، بل لينحني. وهذه هي أوّل حقيقة يجب أن نراها: يسوع يحوّل فعل من يرحل إلى فعل من يخدم. فـ«الخروج»، بحسب منطق الله، ليس هروبًا من العالم، ب، بل نزولٌ إليه حتى عمقه السحيق. إنّ أحقاء يسوع المشدودة لم تعد علامة من يهرب من العبوديّة، بل علامة من يصير عبدًا بدافع الحُب.
ولهذا السبب، فإن غسل أرجل التلاميذ ليس عبرة أخلاقية فحسب، ولا مجرد مثالاً مبهراً، ولا مشهدًا مؤثّرًا. علامةٌ مرئية لذاك الفصح الذي عبره يسوع. إنها الوسيلة التي يختار الله أن يعبر التاريخ من خلالها، إنّه الكيفيّة التي يختار بها الحبّ أن يدخل إلى العالم.
هنا تحديدًا تظهر معارضتنا، التي يجسّدها بطرس. فعندما اقترب منه يسوع، ردّ بطرس بكلمات صريحة: «لن تَغسِلَ قَدَمَيَّ أَبَدًا» (يو 13: 8). ليس هذا مجرد حياء، بل هو رفض. إنها فضيحة حبّ يتواضع أكثر من اللازم. بطرس لا يقبل رباً ينحني. لكن جواب يسوع أشدّ صرامة وهو أحد أقسى الأقوال في الإنجيل: «إِذا لم أَغسِلْكَ فلا نَصيبَ لَكَ معي» (يو 13: 8).
يسوع لا يقول: «إذا لم تقبل، فلن تكون من أتباعي». بل يقول شيئًا أعمق: «لن يكون لك نصيب معي». كلمة «نصيب» لا تشير إلى دور، بل إلى شركة. إنها لغة تدل على الميراث والعهد. وكأن يسوع يقول: بطرس، يمكنك أن تعجب بي، يمكنك أن تتبعني، يمكنك حتى أن تدافع عني... لكن إن لم تقبل طريقة الحب هذه، فلن تستطيع الدخول الى طريقي. لن تشترك في فصحي.
هنا تكمن النقطة الحاسمة في هذه الليتورجيا: الفصح ليس شيئًا يفعله يسوع من أجلنا دون مشاركتنا. إنه أمر لا يمكننا أن نختبره إلا معه. ولنحيا معه، علينا أن نتبنى أسلوبه في محبة الآخرين، فلا توجد شركة بدون هذا الاستسلام. لا يوجد شركة دون أن نسمح لأنفسنا بأن نُخدم.
بطرس، كما يحدث غالبًا، يُريد أن يضع شروطًا للحب. إنه يريد حبًا يُخلص دون أن يُلامس، يغفر دون أن يعرض نفسه للخطر، يحرر دون أن ينزل من مكانته. لكن يسوع يقول له: إذا لم أغسلك، فلن يكون لك نصيب معي. لأن الحب الحقيقي لا يبقى بعيدًا. إنه يقترب. يمس. يكشف عن نفسه.
وهنا يمكن لكلّ واحدٍ منّا أن يرى نفسه. فكثيرًا ما نتمنى إلهًا يرفع معنويتنا دون أن يُزعزعنا، ويُعيد لنا كرامتنا دون أن يمرّ عبر هشاشتنا. لكنّ ما يُطلب منّا اليوم أصعب من ذلك: أن نسمح لأنفسنا بأن نُحَبّ حتى النهاية؛ أن نسمح للمسيح بأن ينحني تحديدًا حيث نشعر بالخجل؛ أن نسمح له بالدخول إلى ضعفنا وعوزنا، وتناقضاتنا، وخطايانا. عندئذٍ فقط يمكننا أن نكون حقًا شركاءً معه.
وهنا نفهم أيضًا سرّ الإفخارستيا. يسلّمنا بولس كلمات يسوع عن تقديس الخبز: "هَذا هُوَ جَسَدي، إِنَّه مِن أَجلِكُم. إِعمَلوا هَذا لِذِكري" (1 كور 11: 24). «من أجلكم». ليس من أجله هو، ليس من أجل إثبات نفسه، ليس للدفاع عن قضية ما. «من أجلكم» تعني جسدًا يُسلم، جسدًا يُمنح، جسدًا لا يحتفظ بشيء لنفسه.
ذلك الجسد، أثناء العشاء، يتخذ شكل جسد ينحني. لا يمكن فصل القربان المقدس عن سر غسل الأرجل. ليسا لحظتين مختلفتين؛ بل إنهما تعبيران عن الحب نفسه. الجسد المكسور على المذبح هو نفس الجسد الذي ينحني ليغسل التلاميذ. وإذا فصلنا بين الاثنين، نفقد معنى كليهما.
لهذا السبب، نحن مدعوون ليس فقط إلى العبادة، بل إلى الدخول في أسلوب حياة: لا يكفي أن نشاهد يسوع وهو ينحني، بل علينا أن نقرّر إن كنا نريد أن يكون لنا نصيب معه، أي أن تنخرط حياتنا في حياته، وأن نقبل بأن تتشكّل تصرّفاتنا على إيقاع حركاته.
بعد أن غسل أقدامهم، قال يسوع: "فإِذا كُنتُ أَنا الرَّبَّ والمُعَلِّمَ قد غَسَلتُ أَقدامَكم، فيَجِبُ علَيكُم أَنتُم أَيضًا أَن يَغسِلَ بَعضُكم أَقدامَ بَعْض" (يو 13: 14). هذه ليست إضافة أخيرة، بل نتيجة حتميّة. فمن يشترك معه يقتدي به. ومن يدخل في فصحِه يتبع أسلوب حياته أيضاً.
كل هذا – كما قلت – لا ينبع من جهد أخلاقي، بل من تجربة عايشناها. فقط من سمح لنفسه بأن يُغسل يمكنه أن يتعلم كيف يغسل الآخر. فقط من قبل أن يُحب بهذه الطريقة يمكنه أن يحب بهذه الطريقة. ولهذا فإن التوبة الحقيقية لا تقوم على فعل شيء من أجل الآخرين، بل في التوقف عن مقاومة حُب المسيح.
أعزائي، السؤال الذي تطرحه علينا هذه الليتورجيا بسيط ولكن حتمي: هل نريد أن يكون لنا نصيب معه؟ ليس بشكلٍ مجرّد، بل بشكلٍ ملموس. هل نريد أن نصبح جزء من محبّة تتّضع؟ هل نريد خلاصًا يتم من خلال عمل الخدمة؟ هل نريد إلهًا لا يُهيمن بل ينحني على الآخر؟
إذا قلنا نعم، فهناك خروج ينتظرنا أيضاً. ليس خروجًا يبعدنا عن الواقع، بل خروجًا يقودنا إلى داخل الواقع بنظرة جديدة. الانتقال من الدفاع إلى العطاء، من الخوف إلى الثقة، من الكبرياء إلى الشركة.
هذه الكلمة، "أن يكون لنا نصيب” لها صدى خاصّ بالنسبة إلينا نحن كنيسة الأرض المقدّسة، لسنا كنيسة قويّة، ولسنا كنيسة كثيرة العدد، ولسنا كنيسة تستطيع أن تختار أزمنة سهلة، ونشهد ذلك باستمرار. غالباً ما نكون كنيسة متعبة، ومجربة، وأحياناً تميل إلى الدفاع عن نفسها أكثر من العطاء. ومع ذلك، لا يطلب منا الرب اليوم أن نكون أقوياء، بل أن نكون شركاء معه. لا يطلب منا أن نحل كل شيء، بل يطلب منا ألا نرفض طريقته في المحبة. لأن الكنيسة تشارك المسيح ليس عندما تكون في استقرار وأمان، بل حين تقبل أن تشاركه تواضع الذات.
أن تكون لنا شركة معه، بالنسبة لنا نحن الذين نعيش ونشهد للإنجيل في هذه الأرض، يعني أن نتعلّم لغة الانحناء: أن نلاقي الآخرين حيث مخاوفهم، وسوء فهمهم، ومتاعب حياتهم اليومية، خاصةً لمن يتهددهم فقدان الأمل. أن ننحني بقلوبنا دون أن نزعم وجود حلول فورية، بل لنكون حاضرين بأمانة. قد لا نستطيع تغيير مجرى التاريخ الكبير، لكن يمكننا أن نختار ما إذا كنا سنشارك المسيح في حضوره داخل التاريخ: لا باستعلاء، ولا مخالف له، بل بقربه.
اليوم، ونحن نحتفل بالإفخارستيا، لنطلب نعمة أساسيّة: أن نسمح لأنفسنا بأن تُغسل أن نسمح لأنفسنا بأن تُخدم، أن نسمح لأنفسنا بأن تُحبّ بلا شرط. عندئذٍ فقط يمكننا حقًّا أن يكون لنا نصيب معه، وعندئذٍ فقط تأخذ حياتنا، تدريجيا، هيئة فصحه.
آمين.
+الكاردينال بييرباتيستا بيتسابالا
بطريرك القدس للاتين

