«رَجَعوا إِلى أُورَشَليم وهُم في فَرَحٍ عَظيم»
مقترح حول أسلوب عيش دعوة الكنيسة في الأرض المقدسة
أيها الأحبّاء،
سلام المسيح معكم جميعاً!
على مدى سنوات خدمتي الرعويّة، خاطبتُكم، أنتم مؤمني كنيسة القدس الحبيبة، بطرق متعدّدة: خلال العظات وبعض الرسائل القصيرة، ولا سيّما أثناء الزيارات الرعوية. وقد شكّلت هذه الزيارات على وجه الخصوص، لحظات لقاءٍ وتشارك مع الرعايا والمجتمع، تاركة بصمة في حياة الكنيسة المحليّة، وفي حياتي أيضًا. فقد أتاحت لي التعرّفَ عن قربٍ الى أبرشيّتنا، ومنحتني الفرصة لتجسّيد ملموسٍ لتلك الوحدة بين الراعي والجماعة المؤمنة، التي تشكل أساس الحياة الكنسيّة.
غير أنّ السنوات الأخيرة، وما شهدَتْه من حربٍ جديدة ومأساوية انصلَينا في أتونها، بكل ما خلّفته من تداعيات على حياة كل واحد منا، أرغمتنا على إعادة التفكير في أساليب خدمتنا وأوقاتها، وهي خدمة سعيتُ إلى متابعتها قدر المستطاع. إن الأزمنة العصيبة التي نعيشها أشركتنا جميعًا في خدمة الفقراء، والتنديد بالظلم، وفي التواجد على أرض الواقع، وقبل كل شيء في الصلاة والإصغاء إلى كلمة الله، ساعين دائمًا إلى الوحدة والحق في وقوفنا أمامه وأمام كل أخٍ وأخت.
على ضوء ما يجري الآن – ونظرًا لما كان وسيكون لهذه الأحداث من أثر على حياة كنيستنا – أشعر اليوم بالحاجة إلى تقديم كلمة أعمق وتأمّل أنضج، وبالتالي أطول من المعتاد. لذلك، لم تُكتب هذه الرسالة للقراءة السريعة أو الجزئية، ولا إلى استخدامها كنصّ للتحليل السياسي بل ينبغي أن تُقرأ على مهل، كأداة تمييزٍ روحي. وقد كُتبت أيضًا لتعزيز الحوار والتفكير داخل أطرنا الكنسية، وفي جماعاتنا، وفي الأديرة، وفي العائلات. وغرضها ليس تقديم أجوبة فورية أو حلول تقنية، بل مساعدة كل واحد على أن يتساءل كيف يعيش اليوم الإيمان المسيحي في هذه الأرض على ضوء الإنجيل.
أجد صعوبة في الاكتفاء بالبيانات البروتوكولية المعتادة، والتي غالبًا ما تتكرر بشكل يكاد يكون متطابقًا. وأشعر بالحاجة الملحّة إلى كلمات صادقة وذات معنى بالنسبة إلينا. فمعاناة هذا الزمن، في الحقيقة، لا تسمح لنا بالاكتفاء بخطابات مُلطَّفة ومجرّدة، وبالتالي صعبة التصديق، كما لا تتيح لنا التوقّف عند المزيد من التحليلات أو الإدانات التي تُضاف إلى سابقاتها.
لقد أطلقنا هذه التحليلات والإدانات في مناسبات عديدة، وقد عبّرنا عن هذا الشأن بما يكفي، قولًا وفعلًا. ولا شكّ أن التحليل والتنديد يظلان ضروريَّين – ولا يمكننا إعفاء أنفسنا منهما - غير أنهما وحدهما لن يفتحا أمامنا آفاقَ رجاءٍ وثقة. وقد يجد هذان الأمران صدى حتى خارج جماعتنا الكنسية، لدى مَن يشاركنا تقييمنا للأحداث. لذا ينبغي أن يرافقهما سؤالٌ أعمق: ماذا يطلب الربّ منا في هذه اللحظة؟ وكيف يمكننا أن نُجسِّد إيماننا تجسيدًا حيًّا في هذا السياق الصعب؟ إنه السؤال الذي يرافق خدمتي الراعوية منذ زمن: كيف يمكننا، كمسيحيين وكجماعة كنسية، أن نحيا داخل هذا الواقع المتأزّم - السياسي والعسكري والروحي - الذي نعلم أنه سيستمر لسنوات طويلة أخرى؟ لقد أصبح هذا الواقع جزءًا لا يتجزأ من الحياة الكنسية، ومن الوجود اليومي لكلّ واحد منا. وللأسف، بات أيضًا جزءًا من ثقافة هذه الأرض. لذلك، فهو ليس مرحلة عابرة ينبغي تجاوزها، بل هو المكان عينه الذي تُدعَى فيه كنيستنا إلى أن تُحقّق رسالتها الخاصة، كجماعة مؤمنة بالمسيح. ففي هذه الأرض حيث تلعب الفروقات في الهُوِيَّة دورًا كبيرًا وحاسمًا، فإن مسيحيتنا مدعوة لأن تكون شهادةً لطريقةٍ فريدةٍ في العيش، حتى وسط الصراع. ويجب أن تجد هذه الشهادة تعبيرًا واضحًا ومميَّزًا في كل ما نقوله ونفعله. نحن مدعوون لتقديم تفسير للزمن الراهن وفق منظور مسيحي، يُميِّزنا بوضوح ويجعلنا معروفين للآخرين.
بهذه الرسالة سأحاول الإجابة عن هذا السؤال. وهذه الإجابة هي ثمرة جهدٍ شاقّ ومؤلم – كما هي الحال في كل محاولة لصياغة رؤية روحية متكاملة – نابعة من تأمّلي وصلاتي، ومن كل ما نضج لديّ خلال هذه المرحلة. ومن الواضح أنها ليست رؤية كاملة أو نهائية. بل ينبغي فهمها على أنها اقتراح أوليّ للتفكير، يحتاج بلا شك إلى أن ينضج ويتكامل ويُستكمَل مع مرور الزمن، ولا سيّما من خلال الحوار، وحتى الجدل البنّاء إن لزم الأمر، مع كل من يرغب في خوض هذه المغامرة الفكرية والروحية، وفي المشاركة في هذه القراءة، على أن يكون الدافع دائمًا هو الرغبة الصادقة في السعي إلى فهم مشيئة الله تجاه كل واحد منا. وإني أجمع هنا، بصورة أكثر تنظيمًا ومنهجية، ما كنت قد كتبتُه وقلته بشكل مجزّأ خلال السنوات الماضية في مناسبات متعدّدة.
الأيقونة الكتابية التي ستدور حولها تأمّلاتي هي المدينة، وبوجهٍ خاص مدينة القدس التي وردت في الكتاب المقدس تحت اسم أورَشليم (بفتح الراء).[1] إن صورة المدينة، بشكل عام، شائعة ومألوفة لدينا، إذ تدلّ على العيش المشترك، وعلى العلاقة المدنية والدينية معًا. غير أننا لن نتوقّف عند المفهوم العام للمدينة، بل سنركّز على أورشليم كنموذجٍ مرجعيٍّ مثالي، مستحضرين بعض مقاطع الكتاب المقدّس. نحن كنيسة القدس. وهذه المدينة المقدّسة هي قلب جماعتنا الكنسية، لا من الناحية الجغرافية فحسب، بل من الناحية الروحية أيضًا. إنها المكان الذي يحفظ قلب إيماننا – أي الفداء – ولذلك فهي أيضًا الموضع الجغرافي والروحي الذي يصون هوية كنيستنا، والمركز الذي نعود إليه لنستقي الإلهام الضروري لهذا الزمن. لكنيسة القدس وجهٌ متعدّد الأبعاد، يعكس غنى طقوسها وتقاليدها. فمنذ نشأتها وحتى اليوم، هي في جوهرها كنيسة جامعة ومتعدّدة، لأن القدس هي أمّ جميع الشعوب. وفي الوقت عينه، اتّخذت عبر قرون طويلة ملامح واضحة ومحدّدة: فهي كنيسة متجذّرة بشكل أساسي في سياق عربي. ومن هنا، فإن نظرتنا إلى الأحداث التي نعيشها اليوم تنطلق من هذه الكنيسة المنتشرة على رقعة جغرافية واسعة. إنها نظرة متجذّرة في هذه الأرض، ولكنها، وبالذات لأنها متجذّرة فيها، تتطلّع إلى شمول جميع سكّان المنطقة واحتضانهم.
ففي المدينة المقدّسة، تستطيع كل جماعة كنسية محليّة أن تجد ذاتها ممثَّلة، وذلك من أصغر رعيّة في الأردن إلى أكبرها عددًا في عمّان، ومن الجماعات الحيّة والنشطة في قبرص إلى المؤمنين الناطقون بالعبرية في إسرائيل، ومن الرعايا التي تعاني المحنة في فلسطين إلى تلك المتأصّلة في إسرائيل. إن أيقونة أورشليم هي النموذج الروحي الذي يوحّد هويّتنا الموزَّعة على أقاليم وسياقات سياسية شديدة التنوّع.
تتألف هذه الرسالة من ثلاثة أجزاء: يبدأ القسم الأول بتقييمي لحالة الاضطراب الراهنة. فقبل الحديث عن المُثُل، لا بدّ من الوقوف بقوّة على أرض الواقع كما هو، مع الاعتراف في الوقت نفسه بحضور الله الفاعل فيه.
أمّا الجزء الثاني، فأودّ من خلاله أن أشارك رؤيةً لجماعتنا، مستوحاة من الكتاب المقدّس ومتجذّرة فيه، مع ارتباطٍ واضح بمدينة أورشليم كما ورد ذكرها في سفر الرؤيا.
فيما يسعى الجزء الثالث إلى ترجمة هذه الرؤية نفسها إلى تبعات رعوية ملموسة لجماعتنا الكنسية، من خلال التطرّق إلى نشاطات رعايانا، وإلى العائلات، والمدارس، والمؤسسات.
وكما سبق وقلت، فإن هذه الرسالة هي في المقام الأول ذات طابع رعوي؛ ولن تتضمّن اعتبارات أو تحليلات ذات طابع سياسي صرف. وهي «سياسية» فقط بالمعنى الأوسع للكلمة، من حيث إنها تتعلّق بكيفية بقائنا، كمسيحيين، في "المدينة"، أي في عالمنا الواقعي وفي قدسنا الأرضية، على أن نبقى دائمًا موجَّهين نحو المدينة الحقيقية والنهائية: أورشليم السماوية.
الجزء الأول
قراءة الواقع: خواطر حول الوضع الراهن
قبل أن نتساءل عن رسالتنا كمؤمنين، علينا أن ننظر بصدقٍ إلى السياق الذي دُعينا إلى أن نعيش فيه هذه الرسالة. فمن الضروري، أن ننطلق من الواقع الذي نجد أنفسنا فيه، إذا أردنا أن نُجيب بشكلٍ عملي على السؤال الذي سيرافقنا طوال هذه الرسالة: كيف نعيش كمسيحيّين في خضمّ هذا الصراع؟
وفي واقعٍ معقّد مثل واقعنا، كلّ سعيٍ إلى عمل خلاصة هو بطبيعته ناقص، وأنا أقبل هذه المجازفة.
ليس القصد إعادة سرد تسلسل الأحداث، بل محاولة فهم أبعادها التاريخيّة العميقة. إنّ السابع من أكتوبر 2023 والحرب في غزّة حملا دلالات مختلفة ومزلزِلة لكلٍّ من شعبَي هذه الأرض. فبالنسبة إلى الفلسطينيّين، تمثِّل هذه الأحداث مرحلةً مأساوية جديدة في تاريخ طويل من الإذلال والتهجير. أمّا بالنسبة إلى الإسرائيليّين، فقد كان أمرًا غير مسبوق: عنف أعاد إلى الذاكرة أهوالًا عاشتها أوروبا قبل ثمانين عامًا.
ومن دون الدخول في نقاشٍ يتجاوز نطاق موضوعنا، نودّ الإشارة إلى أنّ السابع من أكتوبر والحرب في غزّة باتا يُعتبَران على نطاقٍ واسع أحداثًا مفصليّة، طوت حقبة وفتحت أخرى، بأسوأ طريقة ممكنة.
وهكذا وجدنا أنفسنا نعيش في مرحلة "ما بعد " نعجز عن فهمها، ولكن بدأت معالمها تبدو واضحة.
ما نعيشه اليوم ليس مجرد نزاع محلي، بل أحد أعراض أزمة أعمق بكثير، تتعلق بانقلاب في النظام العالمي السائد. على مدى عقود، راهن المجتمع الدولي، وبخاصة دول الغرب، على نظام قائم على القواعد والمعاهدات ومسار متعدد الأطراف في إدارة شؤون العالم. وبدون أن يخلو الأمر من بعض النفاق والازدواجية، وشدّدتُ على أنّ إرساء القانون الدولي، واتفاقيات جنيف، وقرارات الأمم المتحدة، على الرغم من محدوديّتها، تُشكّل أدواتٍ لا غنى عنها لصون التعايش السلمي بين الشعوب، وحماية الأضعف من منطق قانون الأقوى. أما اليوم، فقد استفاق الجميعُ على هشاشة هذا النظام، كما يتجلى بوضوح في عجزه عن إدارة هذه النزاعات. ففي إسرائيل وفلسطين، ولأسباب مختلفة ومتناقضة، تلاشت الثقة في هذا النظام منذ زمن طويل.
نشهد عودةً إلى الاعتماد على استخدام القوّة كوسيلةٍ حاسمةٍ لتسوية النزاعات، مع اختزالٍ متزايدٍ يكاد يكون حصريًا في أشكالها العنيفة والعسكرية، على حساب جميع المسارات الأخرى المرتكزة إلى القانون والحوار والمسؤولية تجاه المدنيين. لقد تحوّلت الحرب إلى موضوعِ عبادةٍ وثنيّة: لم نعد نجلس إلى طاولة الحوار لتجنّب النزاع، بل بتنا نعتبر الحرب مآلًا ممكنًا، بل وربّما حتميًا. ولم يعد المدنيّون يُعتبَرون "ضحايا جانبية"، بل يُلقى باللّوم على فشل العدوّ في الاستسلام، أو يُنظَر إليهم كأدواتٍ تُستَخدَم لتحقيق أهداف الحرب. وقد باتت الحربُ غايةً في حدّ ذاتها. كما تكشف بعضُ القوى العالميّة، التي كانت في الماضي تقدّم نفسها حارسةً للنظام الدولي، عن وجهٍ مختلف اليوم: فهي تختار مواقفها لا على أساس العدالة، بل وفق مصالحها الاستراتيجيّة والاقتصاديّة. وفي هذا السياق، تبقى شريحةٌ واسعة من المؤسّسات، المدنيّة والسياسيّة والدينيّة، مجرّد متفرّجٍ صامتٍ وعاجز أمام هذا الاضطراب العالمي الجديد.
إنّ منطق الردع بوصفه أداةً للأمن والعودة إلى استخدام السلاح والقوّة في إدارة النزاعات، بل وحتى مفهوم الدفاع نفسه، تطرح اليوم أسئلةً أخلاقيّة وسياسيّة بالغة الأهمّيّة: حول شرعيّتها، وأنماط استخدامها، وكلفتها الاقتصاديّة والاجتماعيّة، و تداعياتها الملموسة على السكّان المدنيّين، وغير ذلك كثير.
ونضيف إلى هذه التساؤلات عنصرا لا يمكن تجاهله: وهو الوعي المدني للشعوب، الذي نضج بمرور الزمن، وتشكّل بعمق من خلال استيعاب قيم كرامة الإنسان واحترام الحياة والحقوق الإنسانية الأساسية. إن هذا الإرث الأخلاقي، الذي انطبع اليوم في وجدان المجتمعات المعاصرة، يضع كلّ خيارٍ سياسي أو عسكري موضع مساءلة، ويرسم حدودًا واضحة لاستخدام القوّة.
يُعلّمنا تاريخ هذه الأرض، المطبوع بصراعاتٍ قديمةٍ ومتكرّرة، أنّه من الوهم الاعتقاد بأنّ القوّة، حتى وإن بدت ضرورية على المدى القصير، قادرةٌ وحدها على تحقيق حلٍّ دائم. فعندما تتحوّل القوّة إلى لغةٍ شائعةٍ ومعيارٍ سائد، فينتهي الأمر إلى تأجيج دوّامةٍ من العنف يصعب بالفعل إيقافها.
يخلّف هذا العنف وراءه جراحًا عميقة: دمارًا مادّيًا وتمزّقاتٍ أخلاقيّة تثقل كاهل الأجيال المقبلة. لذلك، ومع عدم تجاهل تعقيد الخيارات التي تواجهها السلطات، لا يسعنا إلا أن نؤكّد أنّ ممارسة القوّة لا يمكن أن تكون الأفقَ النهائي، ولا أن تُشكّل الأساس الذي يُبنى عليه مستقبلٌ يسوده السلام.
إنّ دور وسائل الإعلام اليوم أكثر محوريّةً من أيّ وقتٍ مضى. فمن جهة، تشكّل النافذة التي نتلقّى من خلالها المعلومات من أماكن يتعذّر الوصول إليها. ومن جهةٍ أخرى، أصبحت الوسيط المفضّل لنشر السرديّات، المتضاربة غالبًا، والتي يزداد التحقّق منها صعوبةً يومًا بعد يوم. وفي نزاعٍ كالذي نعيشه اليوم، لا تُخاض الحرب على الأرض فحسب، بل تُخاض أيضًا بالكلمات والصور: فكلّ صورة، وكلّ مقطع فيديو، وكلّ عنوان، يمكن أن يتحوّل إلى سلاح. ثمّة خطرٌ حقيقيّ في أن نفقد بوصلتنا، وألّا نعود قادرين على التمييز بين الحقيقة والخيال، بين الخبر والدعاية.
ويُضاف إلى ذلك عنصرٌ آخر، لعلّه أحدث وأكثر إثارةً للإزعاج. فالحرب الدائرة طرحت تساؤلاتٍ أخلاقيّة جديدة لم نكن مستعدّين لها. وأفكّر هنا، على وجه الخصوص، في استخدام الذكاء الاصطناعي في العمليّات الحربيّة. لم نعد نتحدّث فقط عن أسلحة تزداد تطوّرًا أو عن طائرات مُسيَّرة تُقاد عن بُعد، بل نحن ندخل مرحلةً تصبح فيها الخوارزميّات هي التي تختار الأهداف وتتّخذ قراراتٍ كانت، إلى وقتٍ قريب، حكرًا على الإنسان وحده. فماذا يحدث عندما تكون الآلة هي التي تقرر من يعيش ومن يموت؟ ما هي المسؤولية التي تقع على عاتق الإنسان؟ هذه أسئلة جديدة، لا نملك إجابات لها بعد، لكن لم يعد بإمكاننا تجاهلها.
لا أنوي التوسّع في هذه النقاط المعقّدة، بل أودّ فقط التشديد على أنّ هذه الحقبة الجديدة تطرح أسئلة غير مسبوقة، سيكون علينا عاجلًا أم آجلًا النظر فيها بجدية. ومع ذلك، يجب القول إنّ أزمة التعدّديّة الدوليّة، وأزمة المؤسّسات، بالإضافة إلى هذه التساؤلات المستجدّة، ليست مجرّد قضايا نظرية بعيدة عن واقعنا اليومي؛ بل لها تأثير مباشر على حياة جماعتنا، وهي الإطار الذي تفاعلت داخله مجريات حياتنا اليومية في السنوات الأخيرة، مسبّبةً معاناةً عميقة. وقد سألت نفسي مرارًا، على سبيل المثال: كم من الأشخاص لقوا حتفهم في الحروب الأخيرة على أرضنا نتيجة «قرارٍ اتّخذته خوارزميّة»؟
في داخل هذا السيناريو، علينا محاولة فهم واقع أبرشيّتنا.
ومن دون ادّعاء الإحاطة بكلّ شيء، سنحاول ترتيب الأمور وتجميع نتائج هذا الفوضى وتأثيرها على حياتنا ضمن خمسة محاور أساسيّة.
- تفكّك الروابط: الألم والكراهية وانعدام الثقة
أوّل تمزّق هو تمزّق نسيج العلاقات الإنسانيّة. إنّ الألم، وهو يستحقّ دائمًا الاحترام، متجذّر في نفوس عددٍ كبير جدًّا من الناس.
وأمام مآسي هذا الزمن وظلمه، يُعَدّ الإحساس بالضحيّة ردّة فعلٍ واسعة الانتشار بعمق. فكلّ واحد يميل إلى اعتبار معاناته فريدةً ومطلقة. وهذا الموقف يجعل من الصعب جدًّا الاعتراف بتجربة الآخر، ويطبع بشكلٍ عميق الطريقة التي يعيش بها الأفراد والجماعات ويفسّرون ما يجري من حولهم.
غير أنّه لا بدّ من الإقرار بأنّ خبرة كون الإنسان ضحيّة يمكن أن تختلف بحسب الظروف التي يعيشها. فهناك مَن يفقد حياته وهو نائم داخل جدران بيته، وهناك مَن يموت منخرطًا مباشرة في ساحات القتال. وهناك من يرى منزله يُدمَّر في قصف، ومن يشهد، عامًا بعد عام، ضياع أرضه. بعضهم عاش أوضاع حصار، حُرم فيها من ضروريّات الحياة كالغذاء والدواء، بينما يواجه آخرون خوفًا دائمًا جرّاء هجماتٍ إرهابيّة. يبقى الألم دائمًا ألمًا، وليس هدفنا أبدًا وضع سلّمٍ لترتيب المعاناة. ومع احترام مختلف الأوضاع والإقرار بتعقيدها، لا يمكننا مع ذلك اعتبارها كلّها متطابقة: فهناك فرق بين من يُمارس السلطة ومن يخضع لها، بين من يحكم ومن يُحكَم، بين من يمتلك السلاح ومن يُهدَّد به، بين من يحتلّ ومن هو واقع تحت الاحتلال. إنّ المسؤوليّات مختلفة، والاعتراف بهذا الاختلاف هو فعل احترامٍ للعدالة والحقيقة.
لقد حفرت الكراهية جراحا عميقة في القلوب. كما نشهد عملية مؤلمة لتجريد الآخر من إنسانيته. فعندما يصبح الآخر مجرد «عدو»، يصبح كل شيء مبرَّراً. ولم يقتصر العنف على تدمير المدن والمنازل، والناس والآمال، بل خلّف جراحًا في الضمائر، وسمّم الخطاب العام، وولّد شعورًا بالخيانة، حتى تجاه القيم التي كان يُعتقد أنّها مشتركة. وقد أوجد حلقةً من الضحايا يصارع فيها بعضهم بعضًا، فتصلّبت القلوب مع مرور الوقت، وصارت دروب المصالحة أكثر وُعورة.
وتبدو الحياة السياسيّة والمؤسّسات المدنيّة عاجزة عن امتلاك رؤية بعيدة المدى تفتح آفاقًا للمستقبل، فتزيد من الضياع والشكّ في سياقٍ يغلب عليه انعدام الثقة. ولهذا، ينمو لدى كثيرين، ولا سيّما بين الشباب، الارتياب في أيّ إمكانيّةٍ للعيش المشترك، والشكّ في وجود بديلٍ مُقنِع لدوّامة الصراع والظلم.
منذ بداية الحرب، تدهورت الأوضاع الاقتصاديّة في كلّ مكان. فقد أدّى غياب الحجّاج إلى ترك مئات العائلات من دون عمل، كما أنّ إغلاق الأراضي الفلسطينيّة شلّ حياة عددٍ مماثل من العائلات. وأصبحت الجماعات تجد صعوبة في وضع خطط للمستقبل. فالشباب لا يرتبطون، وأعداد الزواجات في تراجع، والإنجاب يقلّ. وأزمة السكن بالنسبة للعائلات أصبحت أكثر حدة. كثيرون ينظرون إلى الخارج ويحلمون بمستقبل بعيد عن أرضهم. والهجرة، وهي جرحٌ قديم، عادت اليوم لتنفتح بعمقٍ أشدّ من أيّ وقت مضى.
عندما يبدو أنّ صراخ المتألّمين لا يُسمَع ولا يلقى جوابًا، تبرز تجربة فقدان الإيمان حتى بالله، داخل جماعات الإيمان نفسها، التي ينبغي أن تكون صوتا للأضعف.
غير أنّه لا يصحّ أن نكتفي بالتوقّف عند هذا الوصف القاتم للمشكلات التي يكشفها الواقع. ففي تلك الثغرة بالذات، وفي الفراغ الذي خلّفته السياسة والقانون، لم تتوقّف الجمعيّات، والحركات، والمبادرات الشعبية يومًا عن العمل. وهي لا تفعل ذلك بدافع دعوةٍ ساذجة إلى الحوار، بل بإصرار عنيد على الاعتراف بإنسانية الآخر. ليس هذا المقام مناسبًا لسرد أسمائها، ولا حاجة لكتابة سِيَرٍ تمجيديّة لها. غير أنّها هي بالذات تشكّل ملامح لإنسانيّة حقيقية، ويمكن أن ينبثق منها مشروع عيشٍ مشتركٍ. فإذا خرجنا يومًا من بين الأنقاض، فهؤلاء، لا المنظّمات الدوليّة الكبرى التي تمرّ بأزمة، سيكونون مهندسي إعادة الإعمار. وإنّ انهيار النظام الدولي يحمل، على الأقل، فضلًا واحدًا، هو أنّه أعاد الظهور والكرامة لأولئك الذين لم يتوقّفوا يومًا عن العمل في الميدان.
- التفكك والخوف: تجربة الانغلاق
يُضاف إلى هذا التفكّك في الروابط ظاهرةٌ مقلقة، هي تزايد الاستقطاب. وليس ذلك بين الإسرائيليّين والفلسطينيّين فحسب، وهو أمر نعرفه جيّدًا، بل أيضًا داخل البُنى الاجتماعيّة في كلا المجتمعين. فالأشخاص ينسحبون على نحوٍ متزايد إلى مجموعاتٍ مغلقة، إلى جيوبٍ اجتماعيّة لا يلتقي فيها إلّا المتشابهون في التفكير، أولئك الذين يتحدّثون اللغة نفسها ويتقاسمون المخاوف ذاتها. ويزيد من حدّة هذا التوجّه عملُ خوارزميّات وسائل التواصل الاجتماعي، التي تُغذّي المستخدمين باستمرار بمحتوى يؤكّد قناعاتهم المسبقة، فيتضخّم صدى مواقفهم الخاصّة، وتتّسع فجوات انعدام الثقة والخوف والارتياب بين الجماعات.
إنّ الخوف والتطرّف يُولّدان التجزّؤ والعزلة. فينكفئ الناس داخل جماعتهم كما لو كانوا في ملجأ. ويتوقّفون عن الاختلاط بمن هم مختلفون عنهم، أو يفكّرون بطريقةٍ مغايرة، أو ينتمون إلى جماعة أخرى، أو ديانة أخرى، أو فصيل آخر. وهكذا تتشكّل مجموعات متوازية لا تتحاور في ما بينها. وهذا الاستقطاب مُضرّ لأنّه يمسّ في الصميم طريقة بناء كلّ جماعة لأسس انتمائها، وطنيًا واجتماعيًا وشخصيًا. فنحن نبدأ بتعريف ذواتنا من خلال المعارضة: «نحن ما ليس عليه الآخر». وفي لعبة المرايا هذه، تصبح الهويّة جامدة، دفاعيّة، وإقصائيّة. وكأنّه لم تعد هناك «نحن» واحدة تشمل الجميع، بل أكثر من «نحن»، أي مجموعات متعدّدة تتواجه في ما بينها. وعندما تُختزل «نحن» إلى هويّات متعارضة، يصبح من السهل تبسيط صورة الآخر وقراءته ضمن كتلةٍ واحدة متجانسة. غير أنّ كلّ مجتمع يضمّ، في الواقع، أصواتًا ومواقف متنوّعة، ويجب مقاومة تجربة النظر إلى شعوبٍ بأكملها على أنّها كيانات متجانسة كخطوة أولى ضروريّة في سبيل إعادة بناء العلاقات.
إنّ الإحساس بالانتماء إلى جماعة معينة لا يُعدّ بالضرورة أمرًا سلبيًا، لأنّ كل جماعة تتميّز بملامحها الخاصة، وبمهمّة محدّدة، وبموهبة روحية مميّزة. وهذا يُشكّل غنىً في الفسيفساء الفريدة للأرض المقدسة، ويجب الحفاظ عليها، ولكن بشرط ألا تفرض هذه الصفات نفسها على حساب الآخرين أو تصبح أدوات للمعارضة.
من هذا المنظور، تُظهر الحياة المسيحية، المتجذّرة في أسس راسخة، كيف يمكن للانتماء أن يكون قويًا من دون أن يتحوّل إلى انتماءٍ جامد أو دفاعي، وكيف أنّ عمق الهوية ذاته يفتح الطريق أمام الانفتاح على الآخر. وبهذا المعنى، يمكن لـ«نحن» أن تستعيد طابعها الشامل، فتغدو قادرة على احتضان الانتماءات المختلفة من دون اختزالها إلى هويات متعادية.
- الشعور بالضياع: كلمات مستهلكة وتغييب الخير العام
أمّا المحور الثالث فهو الأعمق ويقوم على فقدان الإحداثيّات التي كانت تسمح لنا بالاهتداء. لقد فقدنا الثقة ببعض الكلمات. «العيش المشترك»، «الحوار»، «العدالة»، «حقوق الإنسان»، «شعبان ودولتان»: هذه المصطلحات التي غذّت خطابنا لسنوات طويلة تبدو اليوم مُستهلَكة وفارغة من المعنى. وعندما نستخدمها في جماعاتنا، نواجه أحيانًا نظراتٍ مُرهَقة ومحبَطة. وأمام فظاعة الصور التي تصلنا يومًا بعد يوم، يبدو أنّ هذه التعابير تنتمي حقًّا إلى عالمٍ آخر. فنجد أنفسنا عاجزين عن الكلام، وفي ذلك الصمت، يصرخ العنف صراخا وحشيّا.
وفوق ذلك، فقد مفهوم «الخير العام» معناه. ونجد صعوبة في الإجابة على أسئلةٍ أساسيّة مثل: أيَّ نوعٍ من المجتمع نريد أن نبني؟ وما هو الخير الذي نرغب في السعي إليه معًا، بعيدا عن المصالح الفئويّة؟
في هذه الأرض، يبدو أنّ الجميع، وإن بطرقٍ مختلفة، قد ضحّوا بالخير العام على مذبح المصالح الخاصّة. وكأنّ كلّ واحدٍ لا يفكّر إلّا بنفسه، وببقائه، وبأمنه، في حربٍ وجوديّة دائمة، وعلى جبهاتٍ تتباعد أكثر فأكثر.
ومع ذلك، فإن اللغة الأقوى هي لغة الواقع. هذا الواقع، أبعد ممّا نتصوّر أو نشعر أو نعتقد، يذكّرنا بأنّنا مدعوّون لا محالة إلى إيجاد سُبلٍ للعيش المشترك. لا بديل عن ذلك. فهذه الأرض، على ما فيها من نزاعٍ بقدر ما فيها من محبّة، هي بيتُ الجميع: الإسرائيليّين اليهود، والعرب الفلسطينيّين؛ المسيحيّين واليهود والمسلمين والدروز والسامريّين والبهائيّين وأتباع الديانات الأخرى. الله هو الذي وضعنا هنا. ونحن المسيحيّين، على وجه الخصوص، لدينا تكليفٌ واضح: أن نكون ملحًا ونورًا حيثما كنّا. وهذا يعني ألّا نتخلّى عن خلق فرصٍ للّقاء بين الجماعات الوطنيّة والدينيّة المختلفة، لأنّه عندما لا تعود الكلمات كافية، عندها تكون هناك حاجة أكبر إلى الأفعال.
- التحدي الخاص بالأرض المقدسة: تعثّر الحوار بين الأديان
هناك جانب صعب آخر يتعلق بالعلاقات مع المجتمعات الدينية الأخرى. فالحوار بين الأديان، الذي كان في صميم رسالتنا لسنوات طويلة، يمرّ اليوم بمرحلة صعبة. وليس ذلك لأنّنا توقّفنا عن اللقاء، بل لأنّ أرضيّة اللقاء نفسها قد تأثّرت بما وصفناه سابقًا: الشكّ، وخيبة الأمل، والتعب.
لقد اضطررنا للتعامل مع روايات تاريخية لا يمكن التوفيق بينها، حيث يدعي كل طرف أنه يمتلك حصرية تفسير الأحداث. ولم نعد نشعر بأنّنا نُصغى بعضنا إلى بعض، ولا بأنّنا نتلقّى دعمًا متبادلاً. إنّها مرارة عميقة تمسّنا في الصميم.
أما الأماكن المقدّسة، التي ينبغي أن تكون فضاءاتٍ للصلاة، فقد بدأت تتحوّل إلى ساحات صراع على الهويّة. وتُستَخدم النصوص المقدّسة لتبرير العنف، والاحتلال، والإرهاب. وأعتقد أنّ هذا الاستغلال لاسم الله هو أخطر خطيئة في زمننا. ويبدو أنّ كثيرًا من المؤسّسات الدينيّة، بدل أن تضع حدّا لهذه التوجّهات وتدينها، تُسهم في تعزيزها، مُظهرةً بذلك ضعفًا في الاستبصار النبوي.
ومع ذلك كلّه، يبقى الحوار بالنسبة إلينا نحن المسيحيّين ليس خيارًا، بل ضرورةً أساسيّة. فأولادنا، مسيحيّين ومسلمين، يذهبون إلى المدارس نفسها، ومرضانا يُعالجون في المستشفيات عينها، حيث لا تمييز على أساس الانتماء الديني، سواء كانوا يهودًا أو مسيحيّين أو مسلمين أو من أتباع ديانات أخرى. وفقراؤنا يعانون من الاحتياجات ذاتها. ومن دون نسج علاقاتٍ مع أتباع الديانات الأخرى، لا مستقبل لنا. غير أنّ التحدّي أعمق من ذلك: فالحوار هو دعوتنا ومصيرنا، وهو أحد السبل التي يتجلّى فيها إيماننا ويتغذّى.
- الوجه المتنوّع لكنيستنا المحليّة في خضم الاضطرابات
تعيش جماعتُنا الكنسيّة داخل هذا السياق العام من الارتباك والضياع. فنحن كنيسة تمتدّ عبر أقاليم متنوّعة، إسرائيل، وفلسطين، والأردن، وقبرص، ولكلٍّ منها تاريخه وديناميّاته الخاصّة. إنّ الوضع السياسي ليس واحدًا، ولا يوجد سياق رعويّ واحد، بل أوضاع متعدّدة، وكلّها تستدعي اهتمامًا خاصًّا. إنّ هذا التعقيد يشكّل غنى لنا، لكنه في الوقت عينه مصدرُ تحدٍّ، إذ يُلزمنا ألّا نعمّم، وألّا نتحدّث بصورةٍ مجرّدة، بل أن نأخذ دائمًا بعين الاعتبار الخبرات الحياتيّة المختلفة لجماعاتنا الكنسيّة التي تعيش في سياقات متنوّعة. وهذا يدعونا إلى الإصغاء بانفتاحٍ ودقّة، والانخراط في عملٍ رعويّ يتكيّف مع احتياجات كلّ منطقة.
دعونا الآن نلقي نظرة على الوجه الملموس لكنيستنا في هذه الأزمنة العصيبة جدًّا:
في غزّة، يعيش إخوتنا وأخواتنا في محنةٍ شديدة. لقد عاشوا لسنواتٍ تحت القصف، بلا ماء ولا طعام ولا دواء، وهم اليوم يعيشون وسط الأنقاض. لقد فقدنا شبّانًا وشيوخًا وأطفالًا. ومع ذلك، كانت رعيّة العائلة المقدّسة والكاريتاس، ولا تزالان، وجهَ المسيح في خضمّ هذه الفظائع. وفي الكنائس التي تحوّلت إلى ملاجئ، تقاسم مئات النازحين الحياةَ بعضُهم مع بعض.
في فلسطين، تتدهور الأوضاع يومًا بعد يوم. وقد تحدّثنا مطوّلًا عن هذا الأمر، لكنّ الأحداث لا توحي بأيّ تهدئة. وهنا يتم تحديد مستقبل الصراع الإسرائيلي-الفلسطيني بسرية وبشكل منظم. هناك تصاعد عدواني ناتج عن الاحتلال، وسط تغيب في فرض العقوبات وممارسات القانون الدولي، مع استمرار التوسّع الاستيطاني. وإذا لم يُوضَع حدّ لهذا المسار، فإنّ الخطر يكمن في ترسيخ احتلالٍ دائم، يُضعف أيّ إمكانيّة للتوصّل إلى حلّ عادل ومتّفق عليه بين الطرفين. أخشى أن يتحوّل هذا إلى مصدر قلقٍ كبير، سيفرض علينا طبيعة وأشكال التزامنا لزمنٍ طويل مقبل.
في إسرائيل، يعيش إخوتُنا وأخواتُنا في سياقٍ مختلف، لكنه لا يخلو من تحدّياته الخاصّة: تمييز اجتماعي، وعدم مساواة اقتصاديّة، وشعور متزايد بانعدام الأمان. إنّ تصاعد الجريمة، الذي بات في بعض المناطق يهيمن على المشهد برمّته، مع حصيلةٍ يوميّة من القتلى والجرحى، يزرع خوفًا واسعًا يُعزّز لدى كثيرين تجربة الهجرة. وقد تعرّض المجتمع الإسرائيلي لصدمة عميقة منذ السابع من تشرين الأوّل 2023، وولّدت هذه الصدمة شكًّا تجاه كلّ ما يتّصل بالعالم العربي، ما أدّى إلى ازدياد انعدام الثقة بين السكّان اليهود والعرب.
أمّا الجماعة الكاثوليكيّة الناطقة بالعبريّة، ففي خضم هذا النزاع المليء بالانقسامات، لم تشعر دائمًا بأنّ صوتها مسموع داخل كنيستها، وقد عبّرت عن ذلك بوضوح. يعيش إخوتنا وأخواتنا الكاثوليك الناطقين بالعبريّة نوعًا من العزلة. هم جزء من كنيسةٍ لا يشعرون فيها براحة الانتماء التام. وفي الأشهر المقبلة، سأحرص على إيجاد فرص لقاء مباشر مع هذه الفئة من أبرشيّتنا، للإصغاء إليهم على نحوٍ أفضل.
يعيش جماعة المهاجرين وطالبي اللجوء الذين ينتمون الى كنيستنا أوضاعًا من الهشاشة الوجوديّة، في ظلّ خوفٍ دائم من الترحيل، وتعرّضٍ للتمييز والاستغلال. وقد طالتهم أيضًا أعمال العنف المرتبطة بالصراع، وقُتل بعضهم في اعتداءاتٍ مختلفة خلال السنوات الأخيرة.
كما تعاني مدارسنا، وهي مكان للعيش المشترك وعنصر ثمين في حياة الكنيسة، من صعوبة في إرشاد الطلّاب. فالمعلّمون والطلّاب يحملون معهم إلى الصفوف ثقل ما يشاهدونه عبر التلفاز ووسائل التواصل الاجتماعي، وأصبح الحوار حول القضايا الأكثر حساسيّة أمرًا بالغ الصعوبة بالنسبة إليهم.
ومع كلّ هذا الخراب، تبقى عزيمتنا على بناء مجتمع أخوي راسخة، وتظلّ جماعاتنا المسيحيّة علامة حيّة للرجاء. ففي غزّة، لا يزال الإيمان ينير حياة المسيحيّين، من خلال الاحتفال اليومي بالقدّاس، وصلاة المسبحة، وأعمال المحبّة التي تقوم بها الرعيّة والكاريتاس، والتي تحافظ على رجاء المؤمنين حيًّا. وقد تمكّنت آلاف العائلات، بفضل جهود الرعيّة والكاريتاس، من الحصول على المساعدة والدعم، حتى في أحلك لحظات الحرب. وفي فلسطين، أدار الكهنة رعاياهم وحافظوا على وحدتها، وخلقوا فرصًا لمساعدة المتضرّرين، ولا سيّما العائلات الأكثر احتياجًا. وفي إسرائيل أيضًا، لم يدّخر الكهنة جهدًا خلال أصعب مراحل الحرب. أمّا في الأردن، فتمضي الحياة بصورة شبه طبيعيّة. ورغم الأزمة الاقتصاديّة، فقد نظّمت الرعايا حملات تبرّع وصلوات وسهرات صلاة تضامنيّة مع رعايا الأبرشيّة المتألّمة. وفي قبرص، التي تأثّرت مؤخرًا بالحرب، برزت أيضًا مبادرات تضامن، إلى جانب تعزيز النشاط الرعوي.
ومن الأبعاد المهمة في كل هذا أن الكنيسة الجامعة بأسرها، من البابا فرنسيس إلى البابا لاون الرابع عشر، وصولاً إلى أصغر الأبرشيات وأفقرها، أظهرت قربها من كنيستنا في الأرض المقدّسة، مقدمة الصلوات والدعم المادي. نود أن نشكر جميع الذين عملوا – وما زالوا يعملون – لتمكيننا من متابعة تلبية حاجات هذا الزمن الكثيرة؛ ونشكرهم قبل كلّ شيء على مودّتهم وقربهم المسيحي، اللذين يعزّياننا ويبنياننا. لقد أظهرت مبادرة الكنيسة جمعاء أنّ الرجاء ليس فكرة مجرّدة، بل هو واقع متجسّد، تجلّى في تنظيم صلوات لا حصر لها، وجمع تبرعات تضامنية، وتحقّقت أشكال ملموسة كثيرة من الشركة الكنسية.
في ضوء كلّ هذا، لا بدّ لنا من طرح تساؤل جادّ حول جانب مهمّ آخر من رسالتنا. صحيح أنّنا كنّا حاضرين خلال هذه الفترة في مختلف أنحاء الأبرشيّة، من خلال مبادرات تضامنية. وقد عبّرت كنيستنا عن موقفها، ساعيةً إلى قول كلمة الحقّ، بصراحة ووضوح وجرأة، حتى في خضمّ هذه الفوضى، وغالبًا ما كان ذلك على حساب التعرّض لسوء الفهم. لكنني أتساءل: هل كان ذلك كافيًا؟ أم أنّنا، في هذه المرحلة الصعبة للغاية، قد اخترنا الحذر وسعينا إلى الحفاظ على البنية المؤسّسيّة، على حساب شهادتنا النبويّة؟ كيف يمكننا أن نقول كلمة الحقّ من دون أن نُقيم حواجز جديدة أو نُنتج ضحايا جدداً؟ إنّه سؤال يرافقني كلّ يوم، وليس من السهل أبدًا الإجابة عنه. يجب أن نطرح هذا السؤال على أنفسنا بصدق، أوّلًا وقبل كلّ شيء أمام الربّ، مدركين أنّ التمييز يعني الإصغاء إلى صوت الله، والاهتداء إلى الحقّ، والسعي إلى العدالة، واختيار خير إخوتنا وأخواتنا.
نجد نفسنا في هذه الحالة: نحن في واد من الدموع، والاستسلام، والكلمات الفارغة...، ومع ذلك، هو أيضًا مكان خبراتٍ شجاعة للحياة والأخوّة. وفي هذه البرّيّة بالذات، نحن مدعوّون من جديد إلى التعرّف على صوت الله الذي ينادينا.
وأمام هذا الاضطراب، لا يكمن السؤال الحاسم في كيفيّة الخروج منه أو حلّه، بل في كيفيّة العيش فيه كمؤمنين، من دون أن نستسلم لمنطقه، ومن دون التخلّى عن مسؤوليّتنا في الشهادة للإنجيل. لذلك، حان الوقت لنرفع أنظارنا ونتساءل عمّا يقوله لنا الربّ في كلّ هذا، منفتحين على نور يأتي من العلاء. نحن بحاجة إلى أن نتأمّل في حُلم الله لمدينة الله.
الجزء الثاني
الدعوة: حُلم الله المسمّى أورشليم السماوية
بعد أن ألقينا نظرة عامة – وحتمًا تقريبية – على واقعنا المشترك والمتنوع، لنعد الآن إلى السؤال الأولي: ما هو الموقف الذي يجب أن نتخذه، كمسيحيين، في ظل هذا الوضع من الصراع؟ يمكننا الآن إعادة صياغة السؤال على النحو التالي: ما هي مشيئة الله بالنسبة إلى أورشليم الأرضية؟ فلنحاول إذًا أن نتأمّل معًا صورة المدينة المقدّسة كما يقدّمها لنا الله.
توفر الكتب المقدسة، منذ صفحاتها الأولى في سفر التكوين، أساس العلاقة كما أرادها الله بينه وبين البشرية، بين البشر بعضهم مع بعض، وبين البشرية والخليقة. ويشكل هذا الأساس بداية تاريخ الخلاص بأسره. ولكن قبل كل شيء، فإن منظور سفر الرؤيا هو الذي يرشدنا في تأملنا هنا. هذا السفر الذي غالبًا ما يُساء فهمه – خاصة بسبب لغته الرمزية – لا يهدف إلى إثارة الخوف أو التفسيرات القدرية للتاريخ، بل إلى مساعدتنا على إدراك المعنى النهائي في ضوء أمانة الله والرجاء المسيحي.
بحسب الكتاب المقدّس، يبدأ تاريخُ البشريّة في جنّةٍ، هي جنّة عدن. والجنّة ترمز إلى إنسانيّة لا تزال في حالة براءةٍ بدائيّة، لا بل تعيش في حالة من العزلة. أمّا في نهاية القصّة، في سفر الرؤيا، فتُختَتم الأحداث بمشهدٍ معكوس ومختلف تمامًا: إنه مشهد مدينة. ليست أيّ مدينة، بل أورشليم الجديدة. إنّ هذا الانتقال ليس مجرّد تفصيلٍ سردي، بل وحيٌ عميق يتعلّق بمصير الإنسانيّة. فعمل الخلاص ليس عودةً إلى ماضٍ مثالي ومعزول، بل هو بناءُ مستقبلٍ جماعيّ، متطور، ومتصالح. وتشير نهاية القصّة إلى مجتمعٍ ناضج، إلى «مدينة» بالمعنى الحقيقي للكلمة.
أول مدينة مذكورة في الكتاب المقدس بناها قايين (تكوين 17:4). بعد أن قتل أخاه، بنى ملاذاً: مكاناً يهدف إلى وضع حد للعنف، حيث يمكنه محاولة إعادة بناء العلاقات الأخوية المفقودة. في الكتاب المقدس، تظهر المدينة إذن كمحاولة بشرية لاستعادة العيش المشترك حيث تحطمت العلاقات. على النقيض من ذلك، فإن آخر مدينة في الكتاب المقدس هي أورشليم الجديدة التي تنزل من السماء (رؤيا 21-22).
بين هذين القطبين – المدينة الملاذ التي بناها البشر بدافع الخوف، والمدينة العطيّة التي تنزل من عند الله بدافع الحبّ، تتكشّف قصّة الخلاص بأكملها. ولا يقدّم الكتاب المقدس أبدًا صورة مثالية وثابتة للمدينة؛ فالمدينة «المثالية» غير موجودة. إنها دائمًا مرآة لجميع التناقضات البشرية: الخطيئة والعظمة، العنف والثقة. وفي كل سياق بشري، وفي كل مدينة، ينعكس هذا التوتر ويختبره.
يمتدّ هذا التوتّر إلى الكتاب المقدّس كلّه، ويتمحور بصورة فريدة حول أورشليم. فلا مدينة أخرى في الكتاب المقدّس نالت هذا القدر من المحبّة وهذا القدر من التوبيخ، هذا الكمّ من الوعود وهذا الكمّ من الدينونة. وهذا التوتّر نفسه، كما سنرى، يسكن أيضًا الكنيسة التي وُلدت في أورشليم.
عندما نتحدّث اليوم عن أورشليم، نركّز في الغالب على أبعادها السياسيّة والتاريخيّة والاجتماعيّة. لكن يجب ألا ننسى أبدًا أنّ ما يربط العالم كلّه بهذا المكان يتجاوز التاريخ والجغرافيا والحجارة. فعندما نتحدّث عن المدينة المقدّسة في هذا السياق، لا نقصدها كواقعٍ مادّيّ فحسب، بل — وبالأخصّ — كرمزٍ لشعب الله والكنيسة، التي وُلدت في العليّة يوم العنصرة. في تلك اللحظة، حلّ الروح القدس على الاثني عشر، أي على الجماعة الرسوليّة بأسرها المجتمعة في العلية التي فيها أسّس يسوع سرّ الإفخارستيّا. وفي صباح عيد العنصرة ذلك، حدثت المعجزة التي يرويها سفر أعمال الرسل. فنزل التلاميذ، وقد نالوا الروح، إلى الساحة ليُعلنوا ما جرى، وكان كلّ واحد من الحاضرين "يسمعهم يتكلّمون بلغته. فدهشوا وتعجّبوا وقالوا: أليس هؤلاء المتكلّمون جميعهم من أهل الجليل؟ فكيف نسمع كلّ واحدٍ منّا لغته الأصليّة؟» (أعمال 2: 6–8).
وتمكن جميع الحاضرين في ذلك الوقت، المنتمين إلى أمم ولغات مختلفة، بفضل عمل الروح، من فهم بعضهم بعضاً وبناء الوحدة. منذ البداية، كانت الكنيسة عالمية وموحدة ومتنوعة. ومن هناك انطلق الاثنا عشر ليحملوا إعلان البشارة السارّة إلى العالم كلّه.
ولا تزال الجماعة المسيحيّة في القدس إلى اليوم تحتفظ بطابعها الجامع، الذي لا ينبغي الخلط بينه وبين بُعد «دولي»ّ مجرّد، بل هو يشير إلى واقعٍ أعمق، كما نراه في سفر أعمال الرسل. فما تزال معظم الكنائس تحتفظ بمراكزها الكنسيّة في أماكن أخرى من العالم، ومع ذلك فإنّ لكلّ واحدةٍ منها قلبًا وحضورًا حيًّا في القدس. ففي هذه المدينة، تتشارك الكنائس المسيحيّة المختلفة المكان والزمان، في مسيرةٍ غير كاملة، ولكنها حيويّة نحو وحدة المؤمنين من خلال طقوس ولغات مختلفة، يُحتفل بها في نفس الأماكن وتُعاش داخل عائلاتنا، تقدم هذه الكنائس صورة حية لما حدث في أورشليم يوم العنصرة: شعوب مختلفة اجتمعت في نفس الروح. وكما انطلق الرسل آنذاك لإعلان الإنجيل لجميع الأمم، هكذا اليوم تُدعى هذه المجتمعات، المتجذرة في نفس المكان وغالبًا داخل نفس العائلات، إلى إعادة اكتشاف الشركة الكاملة في الإيمان والمحبة.
بالنسبة للمؤمنين، فإن الارتباط بهذه الأرض يعني أيضًا علاقة جوهرية، ذات أوجه متعددة، مع كلّ من اليهودية والإسلام. هنا، أصبح الحوار بين الأديان على مرّ القرون ليس شرطًا للبقاء فحسب، بل أيضًا عنصرًا من عناصر الإخلاص لهويتنا العالمية. هنا تواجه الكنيسة الأم التحدي المتمثّل في توليد الحياة والرعاية، وتعزيز فهم الآخرين، وممارسة الغفران الصعبة، والسعي إلى الفهم القائم على الاحترام.
إن عالمية الكنيسة لا تتعارض مع الحقيقة الملموسة للكنيسة المحلية والرعايا المحلية. بل إن عالمية الكنيسة تتجلّى وتصبح فعّالة بالذات في الكنيسة المحلية. لهذا السبب تحدث القديس يوحنا بولس الثاني عن «تفاعل داخلي متبادل» بين الكنائس الخاصة والكنيسة الجامعة.
لم تحافظ الكنيسة وحدها على هذا الطابع العالمي، بل المدينة المقدسة نفسها أيضًا. وقد وصفها البابا بنديكتوس السادس عشر بوضوح شديد في عظة ألقاها في القدس:
«لقد كانت القدس، في الواقع، دائماً مدينة تتردد في شوارعها أصداء لغات مختلفة، وتدوس حجارتها أقدام أناس من كل عرق ولغة، وتشكل أسوارها رمزاً لعناية الله الحانية بأسرة البشرية جمعاء. وباعتبارها صورة مصغرة لعالمنا المعولم، فإن هذه المدينة، إذا أرادت أن ترقى إلى مستوى رسالتها العالمية، يجب أن تكون مكاناً يعلم العالميّة واحترام الآخرين والحوار والتفاهم المتبادل؛ مكانا ًيتغلب فيه الصدق والنزاهة والسعي إلى السلام على التحيّز والجهل والخوف الذي يغذيها. ولا يجوز أن يكون هناك مكان داخل هذه الأسوار لضيق الأفق والتمييز والعنف والظلم. يجب على المؤمنين بإله الرحمة – سواء كانوا يهودًا أو مسيحيين أو مسلمين – أن يكونوا أول من يرّوج لثقافة المصالحة والسلام، مهما كانت هذه العملية شاقة وبطيئة، ومهما كان عبء ذكريات الماضي ثقيلًا." (بنديكتوس السادس عشر، وادي يوشافاط، القدس، 12 أيار 2009).
إن مهمة أورشليم الأرضية، بمعنى ما، هي أن تصبح صورة ومرآة لأورشليم السماوية، «نبوءة ووعدًا بتلك المصالحة والسلام العالميين اللذين يرغب الله فيهما للأسرة البشرية بأسرها» (بنديكتوس السادس عشر، المرجع نفسه). هذه هي المهمة التي فقدناها من نظرنا في دوامة الأحداث العنيفة في السنوات الأخيرة. وإلى هذه المهمة يجب أن نعود.
وباختصار، تقف القدس كصورةٍ رمزيّة مصغّرة عند تقاطع الحضارات، والأديان، والهويّات العِرقيّة. فهي نموذجٌ للعالم بأسره، وتلخّص في ذاتها العديد من القضايا المعاصرة التي نواجهها على الصعيد العالمي. وإذا كانت في قلب الصراع الإسرائيلي–الفلسطيني، فهي تعبّر أيضًا عن التفاعلات المعقّدة بين الديانات والأمم المختلفة. إنّ الصراع الذي يمزّق هذه المدينة وحدها له ارتدادات إقليميّة وعالميّة واسعة. فالتجوّل في شوارع القدس يكشف بوضوح مدى كون هذه المدينة نقطةَ ارتكاز لصراعات عالميّة أخرى كثيرة: التوتّر بين الحداثة والتقليد، بين الديمقراطيّة الليبراليّة والتيار المحافظ، بين الكونيّة والخصوصيّة.
تجسد القدس أيضًا الروحانيات المتنوعة لكنيستنا وتجسد دعوتها. في هذا المكان، ضمن واقع يتسم بتناقضات قوية – وهو أمر شائع في مسار التاريخ البشري – الكنيسة مدعوة للتعبير عن نفسها.
إن أقوى الصور الكتابية التي تكشف عن الهوية العميقة للقدس، وبالتالي هوية ورسالة كنيستنا، توجد في رؤيا يوحنا لأورشليم السماوية، الواردة في الفصلين الأخيرين من سفر الرؤيا، والتي نستمد منها الآن إلهامنا.
- سماء جديدة لمدينة جديدة
"ورَأَيتُ سَماءً جَديدةً وأَرضًا جَديدة، لِأَنَّ السَّماءَ الأُولى والأَرضَ الأُولى قد زالَتا، ولِلبَحرِ لم يَبقَ وُجود" (رؤيا 21: 1).
أوّل ما يراه يوحنّا ليس المدينة، بل «سماءً جديدة». لأورشليم سماء. وقد يبدو هذا القول بديهيًّا أو مألوفًا، لكنّه في الحقيقة السمة الأكثر بلاغة وتمييزًا لها. أمّا نقيضها، بابل، في سفر الرؤيا، فتوصَف بكلّ تفاصيلها، لكنّ السماء لا تُرى فيها أبدًا. إنّها مدينة بلا سماء، وبالتالي بدون الله، محصورة في أفقٍ بشريّ أرضيّ صرف، ومحكوم عليها بالخراب.
وسماء أورشليم هي، علاوة على ذلك، سماءٌ مميّزة: إنّها «سماء جديدة». وليست هذه المرّة الأولى التي يتحدّث فيها يوحنّا عن السماء. ففي الفصل الرابع من سفر الرؤيا، تبدأ الرؤى بإعلانٍ ذي دلالة عميقة: يرى الرائي بابًا مفتوحًا في السماء (رؤيا 4: 1). فالسماء جديدة، أوّلًا وقبل كلّ شيء، لأنّها مفتوحة. وقد انفتحت لأنّ ابن الإنسان، الذي نزل من السماء، عاد إليها بعد القيامة، حامِلًا معه البشريّة (راجع يوحنّا 1: 51). إنّ السماء الجديدة هي سماء يسكنها البشر بالفعل.
نجد في هذا المقطع إشارةً أساسيّة: لكي نبني المدينة، ولكي ننسج علاقاتٍ أصيلة في ما بيننا وبين جماعاتنا، علينا أن نبدأ بالوعي لحضور الله، أي بالإيمان. لا يجوز إقصاء الله. فأورشليم ليست مجرّد مسألة حدودٍ سياسيّة أو ترتيبات تقنيّة. إنّ هويّتها الأساسيّة — وهي السمة الأهمّ للمدينة ولكلّ الأرض المقدّسة — تكمن في كونها مكانَ إعلان الله، والمكان الذي تجد فيه الأديان موطناً لها.
ولا تزال هذه الحقيقة ملموسةً ومرئيّة حتّى اليوم، ولا سيّما في ما يُعرَف بالحوض المقدّس، حيث تتركّز معظم الأماكن المقدّسة الرئيسيّة: البلدة القديمة وجبل الزيتون. إنّ الاحتفالات العلنيّة للجماعات الدينيّة المختلفة، التي تتميّز بتعدّد الأزمنة وتداخلها أحيانًا، تُحوِّل المدينة، ولا سيّما في بعض فترات السنة، إلى سمفونيّة استثنائيّة من الصلوات والأناشيد والطقوس المتنوّعة.
وكثيرًا ما يُمكن، عند أوّل ضوءٍ للفجر أو في صمت الليل، أن نلتقي رجالًا ونساءً من مختلف الأعمار، يهودًا ومسيحيّين ومسلمين، يسيرون في شوارع المدينة، متّشحين بأرديتهم المختلفة ومتّجهين نحو أماكنهم المقدّسة، لينضمّوا إلى المتعبّدين الذين يصلّون هناك ليلًا ونهارًا. إنّ صلوات الجماعات الدينيّة المختلفة هي التي تضبط في النهاية إيقاع المدينة بأسرها: فهي نَفَسُها ونورها. وهذه هي أبهى هويّة للمدينة وأكثرها جذبًا، وأثمن سماتها، التي ينبغي صونها والحفاظ عليها.
إنّ تجاهل هذا البُعد «العمودي» لأرضنا، أي الحساسيّة الدينيّة والروحيّة للجماعات المنتمية إليها - يهودًا ومسلمين ومسيحيّين - هو السبب الأعمق لفشل اتّفاقات العيش المشترك التي أُبرِمت خلال العقود الأخيرة. وإنّ أيّ اتّفاقات مستقبليّة ستكون هي أيضًا محكومة بالفشل إذا لم يُؤخذ في الاعتبار الطابع الخاصّ والنبويّ لأورشليم. فهي، قبل كلّ شيء، يجب أن تكون «بيت صلاةٍ لجميع الشعوب» (راجع أشعيا 56: 7). نحن لا نريد أن نتحدّى، بل على العكس نؤكّد ضرورة اتّفاقات «الوضع القائم» (Status Quo) المختلفة المعمول بها حاليًا، لما لها من أهميّة في تنظيم العلاقات بين الجماعات المتنوّعة في المدينة. غير أنّني أؤمن أيضًا بضرورة امتلاك الشجاعة لاعتماد رؤية جديدة، وبناء نماذج جديدة للحياة والعلاقات، حيث يُصبح الإيمان المشترك بالله فرصةً للّقاء، لا أداةً للإقصاء. فالإيمان يفتحنا على السماء وعلى العالم، ويدفع جميع المؤمنين إلى الشعور بأنّهم مدعوّون لجلب البشريّة إلى الله.
ولا يمكن لأيّ مشروع للعيش المشترك في الأرض المقدّسة أن يتجاهل هذا البُعد العمودي، أي الوعي بأنّ هذه الأرض هي، أوّلًا وقبل كلّ شيء، مكانُ الوحي الإلهي.
- مدينة نازلة من السماء
«ورَأَيتُ المَدينَةَ المُقَدَّسة، أُورَشَليمَ الجَديدة، نازِلَةً مِنَ السَّماءِ مِن عِندِ الله، مُهَيَّأَةً مِثلَ عَروسٍ مُزَيَّنَةٍ لِعَريسِها... حَمَلَني أحد الملائكة بِالرُّوحِ إِلى جَبَلٍ عَظيمٍ عالٍ وأَرانِيَ المَدينَةَ المُقَدَّسَةَ أُورَشَليم نازِلَةً مِنَ السَّماءِ مِن عِندِ الله» (رؤيا 21: 2، 10).
لا ترتفع المدينة المقدسة بفخر إلى السماء بقوتها الذاتية. بل يرى يوحنا أنها «تنزل من السماء من عند الله»، ويذكر ذلك مرتين (لا بل ثلاث مرات إذا أخذنا بعين الاعتبار رؤيا 12:3). هذه الحركة النازلة ليست شيئًا حدث مرة واحدة وإلى الأبد، بل هي طريقتها الدائمة في الوجود. أورشليم الجديدة هي مدينة تتلقى باستمرار من الله ذاتها وحياتها. ليس وجودها غنيمةً بل عطيّة.
إنها تنزل «مُهَيَّأَةً مِثلَ عَروسٍ مُزَيَّنَةٍ لِعَريسِها». هذه صورة للحميمية والعلاقة. يستخدم يوحنا أيضًا الصورة الكتابية للخيمة، مكان لقاء بين الله والإنسان (راجع يو 1: 14) لأن الله اختار أن يسكن بين البشر. لذلك فإن الطبيعة الأصيلة لهذه المدينة هي أن تعيش علاقة حميمة وعميقة مع الرب، وأن تكون في الوقت عينه، مثل الخيمة، مكان ترحيب وانفتاح. هذه الحركة المزدوجة – الألفة والترحيب – هي التي تُحدِّد حياة الكنيسة. ففي سكنى الله بين شعبه يتحقق الامتلاء وتُعطى الغلبة على الشر والموت: فالله لا يَقهر الشر وحسب، بل ويُعزَّى البشرية ويمسح كل دمعة من العيون (راجع رؤ 21: 4). يقدم لنا هذا المقطع إشارة مهمة أخرى. إنه تحذير حاسم، خاصة للمؤسسات الدينية في المدينة المقدسة: فبدون «نزول مستمر من السماء»، أي بدون الاعتماد المتواضع والمستمر على علاقة حيّة مع الله، والسماح لله بأن ينير طريقة تفكيرنا، وبدون التغذية المستمرة بكلمة الله، فإن مؤسساتنا معرّضة لخطر التكلّس والضمور. فهي قد تتحوّل إلى حصون منيعة مغلقة على العالم، بدلاً من أن تكون مدنًا مفتوحة ومصادر حياة جديدة. إن القوة وإمكانية تبنّي رؤية مختلفة لا يمنحها الله مرة واحدة وإلى الأبد؛ فهذه العطايا تتطلب جهادًا دائمًا للنفس والقلب.
من الناحية العملية، إن استعداد الكنائس والجماعات الدينية للاستماع إلى الكتاب المقدس يعني الاستماع أولاً وقبل كل شيء إلى صرخة أولئك الذين لا يعرفون المسيح، أو لا يعرفونه بما فيه الكفاية، أو الذين ابتعدوا عنه، وكذلك إلى صرخة الفقراء والمهمّشين وأولئك الذين يعانون بسبب النزاعات. هناك، في القبول الصادق والحاني على جسد البشرية الجريح، يمكننا اختبار أصالة علاقتنا بالله. إذا لم تسهم نظرتنا إلى الله في فتح أعيننا كي تلتفت إلى الآخر الذي يعاني، فإننا لم نلتقِ حقاً بالله الذي ينزل إلى المدينة. إنها دعوة للسلطات الدينية إلى الجمع بين القرب من الله والقرب من شعبها.
- الهيكل والحمل
«ولَم أَرَ فيها هَيكَلًا، لِأَنَّ الرَّبَّ الإِلٰهَ القَديرَ هو هَيكَلُها، وكذٰلك الحَمَل» (رؤيا 21: 22).
يُقدِّم الكتاب المقدّس الله بوصفه ذاك الذي يرغب في أن يسكن بين الناس. ففي العهد القديم، ارتبط هذا الحضور بالهيكل، موضع اللقاء بين الله وشعبه. كما يتصوّر النبي حزقيال مدينةً متجدّدة تتمحور حول الهيكل، الذي هو قلب الحضور الإلهي وعلامة قداسة الله.
أمّا في رؤيا أورشليم الجديدة، فيستخدم سفر الرؤيا لغة مختلفة. يقول يوحنا: «لم أرَ فيها هيكلاً». وليس ذلك لأن حضور الله قد انتقص، بل لأنه لم يعد محصورًا في مكان منفصل. فالله نفسه والحمل يسكنان بين شعبهما ويشكّلان مركز حياتهم. ومن هذا المنظور، تزول الثنائية بين الأماكن المقدّسة والأماكن الدنيوية: فالله لا يسكن في مبنى، بل في علاقة؛ لا في موضع يُغزَى ويُمتلَك، بل في مجرى التاريخ.
وبالتالي، لا تعود هناك أمكنة يكون الله حاضرًا فيها وأخرى لا يكون. ولا توجد أماكن يصغي فيها الله وأخرى لا يصغي. كما تختفي كل تفرقة بين المشمولين والمستبعدين على أساس معايير الطهارة. فإذا كان الدخول إلى الهيكل، في رؤية حزقيال، خاضعًا لتمييزات صارمة، فإن الجميع مرحَّب بهم في أورشليم الجديدة: الرجال والنساء، الأطفال والمسنّون، الأصحّاء والمرضى، الأحرار والعبيد.
يقدّم هذا المقطع من سفر الرؤيا درسًا قويًا لأورشليم الأرضية، الممزّقة بالصراعات المرتبطة بامتلاك الأماكن وتحديد الحدود الإقصائية. لقد أصبح الهوس بالسيطرة على المساحات وامتلاكها أحد المعايير الأساسية لتفسير العلاقات بين الجماعات، مما يؤدي غالباً إلى الانقسام والعنف. ويكاد يبدو وكأنه، من أجل بناء العلاقات ومن أجل امتلاك الحق في الكلام، لا بدّ من التملّك والاحتلال وتبرير الوجود عبر السيطرة على الأرض.
يجب ألا نكون ساذجين. هناك مساحات يجب حمايتها، وأماكن ضرورية لكل مجتمع ليعيش ويشهد على إيمانه. لا ننسَ أن الأرض المقدسة هي أيضًا أرض الأماكن المقدسة، التي تحفظ ذاكرة الشعوب وهويتها التاريخية. غير أن الحدود وُجدت لصون الحرية لا لخنقها؛ ولا يجوز أن تتحوّل إلى حواجز لا يمكن تجاوزها أو أسبابًا للإقصاء. من الممكن التعايش مع احترام مساحات الآخرين ومراعاة تاريخ الجميع وحساسياتهم المختلفة.
أمّا في أورشليم الجديدة، فلا توجد أماكن تُمتلَك، بل علاقات تُبنى. وإذا كان إله المدينة المقدسة لا يحتلّ المساحات ولا يقيم الحواجز، فلا ينبغي لأحد أن يشعر بالإقصاء. ولذلك لا يمكن استخدام الله لتبرير خيارات الانغلاق أو الاستبعاد.
هذا المقطع من سفر الرؤيا، فيما يدعونا إلى رفع أنظارنا نحو السماء، يعيدنا في الواقع إلى الأرض: فالمدينة تكون حيّة بقدر ما تدرك أنّ الهيكل الحقيقي الواجب حراسته، ومركزها الحيوي، هو العلاقات الإنسانية والعلاقة مع الله. أمّا حين تسمح للمنطق القائم على التملّك، والحطّ من قيمة الآخر، والسرديّات المنغلقة على الذات بأن يسيطر عليها، بدل أن تهتدي بنور الحمل، أي بمنطق العطاء والبذل، فإنها تكون محكوما عليها بالذبول والموت.
- مصباح الحمل: طريقة نظر جديدة
«والمَدينَةُ لا تَحْتاجُ إِلى الشَّمسِ ولا إِلى القَمَرِ ليُضيئا لَها، لِأَنَّ مَجدَ اللهِ أَضاءَها، وسِراجُها هو الحَمَل...ولَن يَكونَ لَيلٌ بَعدَ الآن، فلَن يَحْتاجوا إِلى نورِ سِراجٍ ولا ضِياءِ الشَّمْس، لِأَنَّ الرَّبَّ الإِلٰهَ سيُضيءُ لَهم، وسيَملِكونَ أَبَدَ الدُّهور.» (رؤيا 23:21، 5:22)
لقد رأينا أن أورشليم الجديدة لا يوجد فيها هيكل. ولكن، أين يكون الله إذًا، وكيف يسكن الله في أورشليم؟ وأين يلتقي الإنسان بالله؟ إن حضور الله في المدينة ليس حضورًا مزعجا أو ضخمًا أو قمعيًا، بل هو حضور كسراج نور. الله حاضر ويقدّم وجهة نظر مختلفة، وبالتالي طريقة جديدة للعيش؛ الله ينير العلاقات، والحياة، وجميع الأشياء
وإذا كان السراج هو الحمل، فهذا يعني أنّه نور «فصحيّ»: نور ذاك الذي بذل حياته حبًّا، بحرّية ومن دون شروط. إن الفصح يُدخلنا إلى طريقة جديدة في رؤية الواقع. فالخبرة الفصحية هي التي تمكّننا من أن نرى الحياة حتى حيث لا ترى عيوننا الجسدية سوى الموت أو الهزيمة أو الدمار.
يأخذنا هذا المقطع من سفر الرؤيا خطوة أبعد، متجاوزًا معيار التملّك، والمساحات الخانقة، والحدود المغلقة، وتأليه الملكية الذي رأيناه سابقًا. فالنور لا يُمتلَك، بل يُستَقبَل ويُنشَر. وهكذا يصبح المعيار الذي نقرأ به الواقع ونوجّه على أساسه خياراتنا. بعيون أيّ روح ننظر إلى الآخرين، ولا سيّما إلى الذين ليسوا «منّا»؟ أبنظرة ثقة، أم بخوف، أم – والأسوأ – بازدراء؟
إن تدريب العيون على هذا النور – الذي هو الحياة – يصبح المهمة الأولى لمن يرغبون في الانتماء إلى هذه المدينة. وهذا يعني الاعتراف بكل شخص – الفقير، والغريب، وحتى العدو – كخليقةٍ صُنعت على صورة الله ومثاله، والنظر إليه كما يُنظَر إلى الله. إنّه أسلوب الحمل نفسه الذي ينير المدينة: سلطة تُعبِّر عن نفسها ببذل الذات، فتحوِّل القوّة إلى خدمة، لا إلى تملّك وهيمنة.
- نمط حياة المدينة: الترحيب والذاكرة
«ولَها سورٌ عَظيمٌ عالٍ، ولَها ٱثْنا عَشَرَ بابًا، وعلى الأَبْوابِ ٱثْنا عَشَرَ مَلاكًا، وفيها أَسْماءٌ مَكْتوبَةٌ هي أَسْماءُ أَسباطِ بَني إِسْرائيلَ الِٱثنَي عَشَر ... وسورُ المَدينَةِ لَه ٱثْنا عَشَرَ أَساسًا، علَيها الأَسماءُ الِٱثْنا عَشَرَ لِرُسُلِ الحَمَلِ الِٱثْنَي عَشَر» (رؤيا 21: 12-14)
ما يلفت الانتباه في هذا الوصف هو تناقض ظاهري. فأسماء الرسل الاثني عشر موضوعة كأساس للبناء، في حين تظهر أسماء أسباط إسرائيل الاثني عشر على الأبواب. ومن الناحية الزمنية، كان من المتوقَّع العكس: فإسرائيل يسبق الرسل. غير أنّ الرؤيا، في سفر الرؤيا، لا تضع القديم والجديد في مواجهة بعضهما البعض، ولا تدمجهما بطريقة تداخليّة، بل تعيد تركيبهما في وحدةٍ مُفتداة. فالله لا يمحو التاريخ، بل يعيد خلقه، واضعًا أسسًا جديدة لا يضيع فيها شيء، بل يجد فيها كلّ شيء مكانه اللائق. وهكذا تصبح أورشليم تحقيقًا واكتمالًا لكلٍّ من الأسباط الاثني عشر والرسل الاثني عشر. وفقط داخل هذه المدينة يستطيع كل إنسان أن يجد معنى تاريخه الخاص ورسالة حياته.
وهذا أيضًا محور حاسم بالنسبة إلينا اليوم. فكثيرًا ما ينشأ العنف من العجز عن إعادة قراءة التاريخ قراءةً فدائية. ويحدث ذلك حين تتحوّل الذاكرة إلى سرديّة مُغلقة بإحكام، تُبنى ضدّ الآخر وتُدافَع عنها كملكيةٍ حصرية. إن الانشغال السابق بالتملّك كمعيار لتنظيم العلاقات ينعكس أيضًا في العلاقة مع الذاكرة التاريخية. فهناك ميل إلى الرغبة في امتلاك سرديّة الأحداث، والتعامل معها كأرضٍ يجب الدفاع عنها، مع التشكيك الدائم في السرديّة التاريخية للآخر. وبهذا الشكل، لا تعود الذاكرة تساهم في تحسين العلاقات، بل تتحوّل إلى «ذاكرة سامة» تُلوِّثها. وإن إنكار الذاكرة التاريخية للآخر هو شكل خفيّ لكنه قوي من أشكال الإقصاء.
ما نحتاج إليه، بدلًا من ذلك، هو إعادة التفكير في مفهومي «التاريخ» و«الذاكرة»، وبالتالي أيضًا في مقولات «الذنب» و«العدالة» و«المغفرة». فهذه هي المفاهيم التي تضع المجال الديني في تماس مباشر مع المجالات الأخلاقية والاجتماعية والسياسية. ولا يتعلق الأمر بإنكار وقائع الماضي، بل بالتحقّق من تأويلاتها، كي لا تفرض هذه التأويلات نفسها بعنف على خيارات الحاضر. فمن خلال هذه المراجعة الصادقة وحدها يمكن افتداء فهمنا للتاريخ، وجعله في خدمة الإنسانية جمعاء. وتقع على عاتق المدارس والجامعات والمراكز الثقافية والحركات ووسائل الإعلام المسؤولية الأولى في هذه الرسالة المتمثلة في إعادة التفكير في ذاكرتنا الجماعية وشفائها. فهي قادرة على المساهمة في بناء سردية تاريخية مختلفة، إيجابية، وشاملة.
إن هذه التنقية ليست عملية دبلوماسية ولا تسوية سياسية، بل هي فعل روحي عميق، لأنها تمسّ جذور الهوية والألم. فهي تتطلّب أن نسمح لله بأن يفتدينا، لكي نصبح بدورنا أدوات وقنوات شفاء للآخرين. وحدها الذاكرة المفتداة قادرة على أن تُولّد مستقبلًا مختلفًا. ورسالة الكنيسة هي تعزيز «تنقية حقيقية للذاكرة التاريخية». وقد شدّد القديس يوحنا بولس الثاني بقوّة على هذا الأمر خلال يوبيل سنة 2000، حين تحدّث عن ضرورة تنقية الذاكرة كفعل روحي عميق، قادر على لمس جذور الهوية والألم.
وأنا أدرك تمامًا أن هذا الموضوع غير مقبول لدى كثيرين. فبالنسبة إلى بعضهم قد يبدو «مسيحيًا أكثر من اللازم»، وبالنسبة إلى آخرين قد يبدو طوباويًا، أو حتى أمرًا يجب رفضه رفضًا تامًا. ومع ذلك، فهذه هي المساهمة، وهذه هي الرسالة، التي يتركها لنا الحمل. إنها الشهادة التي دُعينا إلى حملها، و«الوعد والنبوءة» اللذان يجب أن يسندا مسيرتنا في المدينة المقدسة، وفي كنيستنا. وذلك يعني الجرأة على تصوّر مستقبل لا يولد من التملّك أو الخوف أو الانتقام، بل من افتداء التاريخ. أي نوع من الكنيسة نكون، إن لم تكن لدينا الشجاعة لأن نشير إلى عالمٍ لم يتحقّق بعد، لكنه العالم الذي يعدنا الله به، والذي نلمحه منذ الآن في الأفق؟
- الأبواب المفتوحة
«أَبْوابُها لن تُقفَلَ في أَيَّامِها، لِأَنَّه لن يَكونَ لَيلٌ هُناك.» (رؤيا 21: 25)
تُبنى أسوار المدينة دائمًا للدفاع. أمّا هنا، فهي لا تُشيَّد للدفاع عن المدينة من أخطار آتية من الخارج، وكأن ما هو خارجها خطر بحدّ ذاته، بل لتحديد أسلوب حياة وإحساس بالانتماء. وهي تبقى مفتوحة دائمًا، فلا شيء يجب الدفاع عنه، بل أسلوب حياة مقترَح. وهي مفتوحة على الجهات الأربع، تسمح لكلّ إنسان، في أيّ وقت، أن يدخل ويصبح جزءًا من هذه الإنسانيّة الجديدة. «بَيتي بَيتَ صَلاةٍ يُدْعى لِجَميعِ الشُّعوب.» (أش 7:56)
إن ما كان في العهد القديم امتيازًا لشعبٍ واحد، وإن كان منذ البدء موجَّهًا إلى جميع شعوب الأرض (راجع تك 3:12)، أصبح الآن موعودًا للجميع. فالجميع يمكنهم أن يكونوا جزءًا من شعب الله المقدّس. والكنيسة اليوم تعيش هذا الإعلان وتبشّر به، حاملةً هذا الكنز النبوي في آنيةٍ من خزف. وهذه أيضًا إشارة واضحة أخرى يقدّمها لنا سفر الرؤيا. ففي المدينة التي تنزل من السماء، لا يستطيع أحد أن يمارس احتكارًا، لأن المدينة المقدّسة، في جوهرها، تتناقض مع كلّ شكل من أشكال الانغلاق أو الحصرية أو الهويّة أحادية اللون. فهي لا تنتمي إلى بعضٍ في مواجهة الآخرين، ولا يمكن اختزالها إلى ملكيّة جماعةٍ واحدة. أبوابها مفتوحة دائمًا؛ وليس الأمر مجرّد تفصيل معماري، بل تعبير عن هوية لا تُعرّف إلا بالترحيب والعلاقة. وينشأ العيش المشترك من الاشتراك في مشروع واحد، يكون الجميع جزءًا لا يتجزّأ منه.
وهذا يعني أيضًا إبقاء الأبواب مفتوحة بين الجماعات المختلفة التي يتألّف منها مجتمعنا: لا الاكتفاء بأن «نمرّ بمحاذاة بعضنا البعض»، بل أن «نبقي الأبواب مفتوحة»، أي أن نتعرّف بعضنا إلى بعض، وأن ندعم بعضنا بعضًا.
- قلب الإنسانية المشترك
"ستَمْشي الأُمَمُ في نورِها، ومُلوكُ الأَرضِ سيَحمِلونَ إِلَيها مَجدَهم.... وسيَحمِلونَ إِلَيها مَجدَ الأُمَمِ وشَرَفَها." (رؤيا 24:21، 26)
إن أبواب المدينة ليست مفتوحة فحسب. هناك أكثر من ذلك. يوضّح يوحنا ويضيف أن الشعوب والأمم وحتى الغرباء ليست تهديدًا؛ بل على العكس، يُعدّون غِنًى وثروة. فذهب الأمم وبخورها هما اللذان يُجمّلان المدينة. وهذه إحدى الابتكارات الكبرى الأخرى التي يصفها الرسول. فمقاييس الجمال والقداسة والطهارة تنقلب رأسًا على عقب: الجميل ليس ما هو نقيّ منعزل أو منفرد، بل ما هو منفتح على الآخر. وتغتني أورشليم بقدر ما ترحّب.
في البداية، رأينا أن أورشليم تُبنى بقدر ما تستمدّ ذاتها من الله. أمّا الآن، فتكتمل الرؤية، ونرى أيضًا أن أورشليم تغتني بقدر ما تقبل ذاتها من الآخرين. الأمران يسيران معًا. وهكذا يبدو أنّ نبوءة أشعيا تتحقّق: «وتَجْري إِلَيه جَميعُ الأُمَم وتَنطَلِقُ شُعوبٌ كَثيرةٌ وتَقول: هَلُمُّوا نَصعَدْ إِلى جَبَلِ الرَّبّ إِلى بَيتِ إِلٰهِ يَعْقوب وهو يُعَلِّمُنا طُرُقَه فنَسيرُ في سُبُلِه»" (إشعياء 2: 2-3).
إن قلب العالم هو في القدس، كما يشهد على ذلك ملايين الحُجّاج الذين يأتون من كل أنحاء المعمورة إلى المدينة المقدّسة. فالحُجّاج جزء من حياة المدينة. وبدونهم، وبدون هذا الرابط مع العالم، تبقى المدينة ناقصة. ونحن، للأسف، نرى ذلك بوضوح شديد في الأشهر التي تميّزت بغيابهم. وهذا يعني أن على المسؤولين المحليين أن يضعوا دائمًا في اعتبارهم أنّ ما يُعاش في القدس يطال حياة مليارات المؤمنين حول العالم. فهي ليست شأنًا خاصًا فقط بمن نالوا نعمة العيش فيها. إن القدس لا تنتمي إلى أحد على نحو حصري؛ بل تنتمي إلى الجميع، لأنها ليست غنيمة حرب، بل عطية، ونقطة مرجعية مشتركة، وتراث للإنسانية.
للعالم الحق والمسؤولية في الاهتمام بالقدس – لا لفرض حلول من فوق، مع تجاهل سيادة الشعوب المقيمة فيها وحقّها في تقرير مصيرها، بل لممارسة ضغط مستمرّ وهادئ – دبلوماسي وثقافي وروحي – حتى لا يسود منطق الإقصاء أو الهيمنة أو الحيازة الحصريّة. على المجتمع الدولي أن يضمن المهمة العالمية للقدس، مذكّراً الجميع بأن ما يحدث داخل أسوارها يؤثّر في قلوب مليارات المؤمنين والأسرة البشرية بأسرها.
- الدعوة: شفاء العالم
المدينة ليست غاية في حد ذاتها. مهمتها عالمية ودعوتها علاجية شفائية.
«وأَراني المَلاكُ نَهرَ ماءِ الحَياةِ بَرَّاقًا كالبِلَّور، يَنبَثِقُ مِن عَرشِ اللهِ والحَمَل. وفي وَسَطِ السَّاحَةِ وبَينَ شُعبَتَيِ النَّهرِ شَجَرَةُ حَياةٍ تُثمِرُ ٱثنَتَي عَشرَةَ مَرَّة، في كُلِّ شَهرٍ تُعْطي ثَمَرَها، ووَرَقُ الشَّجَرَةِ لِشِفاءِ الأُمَم.» (رؤيا 22: 1-2)
من عرش الله والحمل ينبع نهر ماء الحياة، وعلى ضفافه تنمو شجرة الحياة التي تعمل أوراقها على «شفاء الأمم». هذه هي في نهاية المطاف المهمة السامية والقصوى لأورشليم. فشجرة الحياة، التي كانت في عدن محرّمة على الإنسان، أصبحت الآن في قلب المدينة، في متناول الجميع. أوراقها ليست لفئةٍ مختارة، بل لشفاء «الأمم»، وهو تعبير يستخدمه سفر الرؤيا غالبًا للدلالة على العالم غير المؤمن، أي على الذين هم في الخارج والذين لم يعرفوا الله بعد. إن رحمة الله ليست امتيازًا لعدد قليل، بل مصيرًا معروضًا على الجميع.
إن رسالة أورشليم لا تنحصر داخل أسوارها ولا تنغلق عند أبوابها. فنبع الماء الحي الذي يتدفق من قلب الحمل يروي العالم بأسره. أورشليم هي مدينة «منفتحة على العالم»، مدعوة إلى أن تثمر من أجل الإنسانية. ما نالته من العلى يجب أن تشاركه مع الجميع. لها رسالة محددة، فريدة من نوعها وهي: «شفاء الأمم». شفاء من ماذا؟ النص لا يحدّد، لأنه لا يشير إلى جرح واحد، بل إلى جذر الحياة الجريحة ذاته. لكنه يوضح أن ما يشفي هو كونها حيّة، ومشارِكة في حياة الله.
هناك حاجة ضرورية إلى الشفاء في الأرض المقدّسة. ويتطلّب ذلك مسارات طويلة من التعافي من الجروح العديدة والمؤلمة التي يُلحقها هذا الصراع بالمجتمعات كلّها. وستكون التعزية ضرورية بسبب الآلام التي يخلّفها الحقد و«الذاكرة السامّة». ورسالة الكنيسة ليست رسم حدود ضيقة، بل إبقاء الأبواب مفتوحة، شاهدةً لمحبة لا تيأس أبدًا وتمتدّ حتى إلى البعيدين، والمتردّدين، والمقاومين. إن مسؤولية الحرية البشرية مؤكَّدة، وكذلك لا محدودية النعمة الإلهية.
إن المجتمع المسيحي الصغير والضعيف الذي يعيش في الأرض المقدسة يمكنه أن يقدّم الكثير. صحيح أنّه لا يملك قوة عسكرية أو اقتصادية، لكنه يستمد من الحمل «الوداعة» التي يتمتع بها أولئك الذين، وفقًا لتطويبات الإنجيل، سيرثون الأرض. لديه قوة الحبّ المتفاني، القوة الوحيدة التي لا يستطيع الشر هزيمتها.
إن افتداء عواقب الصراع – الكراهية، والخوف، و"الذاكرة السامة" – هو المهمة المحددة والسامية التي تضطلع بها كنيسة القدس من أجل العالم بأسره. تعود جذورها إلى جغرافية الخلاص، لكن نظرتها عالمية: أن تكون للعالم ليس مجرد نموذج وهمي، بل بذرة مدينة حقيقية، المدينة المبنية على الجبل (راجع 14:5)، التي تشع بنور المسيح إلى جميع الأمم، وتعلّم الناس فن الغفران، وقوّة المساواة، وفرح الخدمة. وفوق كل شيء، فإن شجاعة الغفران هي الدواء الأقوى، القادر على إحداث الشفاء، وهي أيضًا الشهادة الأكثر أصالة التي يمكن لجماعتنا أن تقدّمها لشعوب هذه الأرض.
ولا يتعلّق الأمر هنا بالعمل كجسر بين طرفين متنازعين، كما لو كان المسيحيون مدعوّين إلى التوسّط من الخارج. فهذا ليس دورهم. فالمسيحيون في الأرض المقدّسة، ونقصد داخل كنيستنا وأبرشيتنا، ليسوا طرفًا ثالثًا، ولا منطقة عازلة حيادية بين الإسرائيليين والفلسطينيين، ولا جسدًا منفصلًا عن إخوتهم غير المسيحيين. بل هم ملح ونور وخمير داخل المجتمعات التي ينتمون إليها بحق. والمسيحيون، ومعظمهم من المواطنين الفلسطينيين أو الأردنيين، وهم عرب مسيحيون، دون أن ننسى وجود القبارصة والإسرائيليين المسيحيين، يشتركون في تاريخ ولغة وجراح وتطلعات شعوبهم. فهم ليسوا مدعوين إلى الانغلاق في جيب محمي، ولا إلى الفرار، بل إلى عيش دعوتهم بالكامل: أن يكونوا جزءًا لا يتجزأ من المجتمع، يشاركونه مصيره، ويساعدون على تحفيزه من الداخل برؤية للإنسانية – والمجتمع – متجذرة في الإنجيل.
إنهم لا يقدمون للعالم "يوتوبيا" أي حُلما مثاليا غير قابل للتحقق، بل بذرة – هشة، ملموسة، وأحيانًا تكاد تكون غير مرئية – لمدينة ممكنة. مدينة تنبثق من القاعدة، من عجينة الحياة اليومية التي يتشاركونها مع مواطنيهم المسلمين واليهود، وتُظهر كيف أن التعايش والغفران والمصالحة أمور ممكنة للجميع.
- الرفض
هذان الفصلان من سفر الرؤيا اللذان رافقانا ليسا بعيدين عن الواقع. يدرك يوحنا جيدًا أنه، بالإضافة إلى السحر والجمال الموجودين في المقاطع التي عرضناها، هناك أيضًا احتمال الرفض. عدة مقاطع تتناول هذا الأمر (8:21، 27؛ 11:22، 15). لنأخذ مثالاً واحداً فقط: أمَّا الّذينَ في خارِجِ المدينةِ، فهَؤُلاءِ هُمُ الكِلابُ والسَّحَرَةُ والفُجّارُ والقَتَلَةُ وعَبَدَةُ الأوثانِ وكُلُّ مَنْ يَكذِبُ ويُحِبُّ الكَذِبَ» (15:22).
إنها لغة قوية قد لا نكون معتادين عليها اليوم. لكنها تُبرز عنصرًا أساسيًا: فالحياة في المدينة المقدسة تنطوي على اختيار ومسؤولية. إن أسوار المدينة، كما قلنا، لا تحمي بقدر ما تُحدِّد نمط الحياة لأولئك الذين اختاروا أن يعيشوا مستنيرين بنور الحمل. فمن يقرّر أن يعيش في مدينة مملوءة مجدًا، أبوابها مفتوحة دائمًا، متشوّقة إلى الترحيب والشفاء، يتحمّل في الوقت نفسه مسؤولية رفض كل ما لا ينتمي إلى هذا النمط من العيش.
إنه خيار يجب اتخاذه، وأسلوب حياة ينبغي اعتماده. فالذين يرفضونه لا يستطيعون البقاء داخل الأسوار، ولا أن يكونوا جزءًا من حياة المدينة. وليس الأمر مجرد اختيار العيش في نور الحمل، بل يتطلّب أيضًا العمل على منع قوى الظلام وكل ما ينتمي إلى عالم الموت من الإقامة في المدينة.
ومن المهم أن نفهم طبيعة هذا الرفض. فهو ليس حكمًا على إنسانيتنا، التي تبقى دائمًا موسومة بعدم الكمال، ولا على كوننا خطأة نحتاج إلى الغفران؛ وهذا هو بالضبط سبب التجائنا إلى الحمل الذي هو مصدر لا ينضب للرحمة. إن الرفض الذي تصفه الكتب المقدسة هو أمر أكثر جذرية: إنه تمسّك واع، عنيد، ولا يهادن، بأسلوب حياة يناقض منطق الحمل. إنه اختيار متعمّد للكذب كنظام، وللعنف كمنهاج. ويتجلّى ذلك في الادعاء بامتلاك ليس المساحات فحسب، بل الحقيقة نفسها. إنه بناء الحياة الخاصة والمدينة الخاصة على مشروع بابل، الذي سعى إلى الصعود إلى السماء بقوة الإنسان وحده، مُقصيًا الله، وبالتالي مُستثنيا الإخوة أو الأخوات.
إن المدينة ذات الأبواب المفتوحة لا تطرد أحدًا، لكنها تُحدِّد بوضوح ما لا ينسجم مع وجودها نفسه. فالخيار مطروح أمامنا: إمّا أن نعيش بنورٍ نتلقّاه، أو أن ندّعي أننا نحن النور. أمّا الذين يختارون هذا الادعاء، فلن تبدو لهم المدينة ذات الأبواب المفتوحة إلا كحكم بالإدانة. أمّا الذين يسلكون سبيل الحمل ويتبنّونه، فهي، وستظل إلى الأبد، وطنًا لهم.
ومع ذلك، من المهم ألا نخدع أنفسنا بالاعتقاد أن هذا الخيار يُتَّخذ مرة واحدة وإلى الأبد، ولا أن أورشليم السماوية تتطابق تمامًا مع أي مجتمع أرضي، ولا حتى مع كنيستنا. فما دمنا حجاجًا في التاريخ وغرباء في الأرض، ستظلّ المدينة المقدّسة أمامنا عطيةً ووعدًا، لا مُلكًا نمتلكه. حتى جماعاتنا، ومؤسساتنا الدينية، وقلوبنا نفسها، ما زالت تحمل آثار الخطيئة والانقسام. إن إغراء الانغلاق داخل «مدينة مثالية» نبنيها بأيدينا هو تجربة مستمرة. ولهذا السبب، فإن أورشليم التي تنزل من السماء لا تكفّ أبدًا عن النزول: فنحن مدعوّون على الدوام إلى استقبالها من جديد، لأنها ليست أبدا مُلكا لنا.
- مدينة للجميع: عيش التاريخ من خلال عيون الحمل
إن رؤية أورشليم الجديدة، في نهاية المطاف، ليست دعوة إلى الهروب من التاريخ، بل دليلًا يرشدنا في السير داخل التاريخ. إنها نموذج وأسلوب ومرجعية حقيقية للجماعة المسيحية ولكل من يعنيه أمر المدينة الأرضية.
إن المبادئ التي برزت – التجذّر في الواقع، وصون ما هو مقدّس، وشمولية الترحيب، وقوة الوداعة، وأولوية العلاقة على التملّك، والحاجة إلى افتداء الذاكرة، والانفتاح على جميع الأمم – تحمل تبعات فورية على الصعيد السياسي والاجتماعي والحوار بين الأديان. وهي تقول لنا إن:
إن الطابع التاريخي للقدس يذكّر بأن المدينة هي موطن للإسرائيليين والفلسطينيين معًا، ويطالب بها الطرفان عاصمةً لهما. غير أن الادعاءات الحصرية تتناقض مع دعوة القدس. فهي ليست مدينة للإقصاء، فالمطالبات الحصرية تتعارض مع رسالة القدس. بل هي مدينة يجب تقاسمها، ومكانٌ للقاء.
إن الطابع الديني للقدس لا يمكن تجاهله في أيّ اتفاق سياسي. فقد أظهرته إخفاقات الماضي بوضوح. ولا بدّ من الاعتراف بأن السمة الأساسية للمدينة المقدّسة هي منزلتها كموطن الوحي الإلهي.
إن الانسجام بين مختلف المكوّنات - اليهود والمسيحيين والمسلمين- يبقى العلامة المنظورة للألفة مع الله. أمّا الانقسامات، فهي إنكار لهذه الحقيقة.
إن المؤسسات الدينية مدعوّة إلى تجدّد روحي دائم، كي لا تتحوّل إلى عقبات أمام معرفة الله والتفاعل مع العالم.
لا يجوز أن يتحول امتلاك الأرض والأماكن المقدسة إلى مطلق إيديولوجي. فنحن بحاجة إلى توازنات جديدة تأخذ بعين الاعتبار الحاجات الحيوية للجميع، وتتخطّى منطق الإقصاء. ومن الممكن إيجاد سُبل للعيش المشترك مع احترام أماكن بعضنا البعض.
يحقّ للمجتمع الدولي ولزامٌ عليه الاهتمام بالقدس، لأنها تخصّ الجميع. فقلب العالم يخفق في هذه المدينة المقدسة، وما يجري فيها يؤثّر في مليارات المؤمنين.
إن كنيسة القدس، الصغيرة والصامدة، تعيش الآن وهنا أسلوب أورشليم السماوية وهو أن تكون مكانًا مرحِّبًا، ونورًا فصحيًا يبدّد ظلمة الضغينة؛ أن تكون بيتًا أبوابه مفتوحة، وأداة شفاء للعالم. هذا هو حُلمها، ورسالتها، وهبتها للإنسانية.
الجزء الثالث
تطبيقات رعوية
بعد التركيز على واقعنا وتأمّلنا في المستقبل المعروض علينا، نريد الآن أن نسأل أنفسنا: كيف يمكننا، كجماعة، أن نعيش، الآن وهنا، أسلوب حياة "أورشليم النازلة من السماء" ؟ لا يمكننا أن نسعى لتطبيق نموذج نظري مجرّد؛ بل نحتاج إلى إيجاد حلول نستهدي بها في حياتنا اليومية، في رعايانا، وعائلاتنا، ومؤسساتنا. إنها رحلة طويلة وشاقة، لكنها الوحيدة القادرة على أن تملأنا ثقة.
قد نظن أننا لا نستطيع فعل شيء بسبب الصراع. ومع ذلك، لا يجوز للصعوبات أن تصبح ذريعة للتوقف عن المحبة أو لتبرير الإهمال. بل في هذه الحالات تحديدًا، ينبغي لعملنا الرعوي أن يصبح أكثر حزما وفعالية: لا أن نهدف إلى أن نكون أبطالًا، بل أن نفتح مجالات لعمل الله.
انطلاقا من التأمل فيما عرضناه حتى الآن، سأحاول أن أرسم بعض المجالات الرعوية التي يتّضح فيها أن رسالة كنيستنا هي أن تكون تعبيرًا ملموسًا عن الرؤية التي ائتمننا الله عليها.
١. أولويّة الليتورجيا والصلاة
رأينا أن العنصر الأول للمدينة النازلة من السماء هو أن تتلقى نفسها باستمرار من الله، محافظة على وعي حضور الله حيًّا. الحياة الأسرارية للكنيسة – الليتورجيا والصلاة – تحافظ على هذا الوعي وتُحييه. وهذا جزء أساسي من رسالة الكنيسة.
ثمّة تجربة خفية يجب أن نعترف بها: وهو اعتبار الليتورجيا والصلاة أداة، ووسيلة لنيل شيء آخر – حتى لو كان السلام، أو إنهاء الحرب، أو حلولًا للمشاكل. الصلاة ليست وسيلة. إنها لحظة حبّ ولقاء مع الله، نسعى فيها إلى رؤيتنا له ورؤيته لنا، كما نفعل عندما نزور من نحبّ. إنها القلب، والنَّفَس. إنها ما يُبقي جماعتنا حيّة حين يتعثر كلّ شيء آخر. الإنسان المصلّي يجد الثقة، حتى حين يبدو الأمر مستحيلًا، لأن الصلاة قد لا تغيّر كل شيء أو تأتي بنتائج فورية وملموسة، لكنها تغيّر نظرتنا للأمور.
لذا يجب أن نُبقي الليتورجيا والصلاة في مركز حياتنا الجماعية. لا نعني فقط الصلوات من أجل السلام – صلوات يجب تعزيزها – بل الصلاة كجوٍّ ثابت ودائم للحياة، يعطي شكلا لأيامنا، وأسابيعنا، وجماعاتنا.
إنني أفكر بشكل خاص في صلاة الساعات التي تُتلى جماعيًّا، في القراءة الربانية، والسجود القرباني. هذه ليست ممارسات للنخبة، بل تعبيرات بسيطة وعميقة لصلاة الكنيسة، قادرة على إدخال حياتنا اليومية – بكل مخاوفها وتطلّعاتها – في علاقة حيّة مع الله.
كما يجب تعزيز البعد الجماعي والشفائي لسر المصالحة. تتمّ ممارسته أحيانا بشكل فردي ومنعزل، بينما هو سرّ كنسي بامتياز، لا يشفي الفرد فقط بل الجماعة كلها، معيدًا بناء الشركة المجروحة. إن الاحتفال الجماعي بالتوبة، متى تمّ إعداده إعدادا جيدًا يمكنه أن يجعل اللقاء مع رحمة الله ولادة جديدة.
كما يجب إيلاء اهتمام خاص لسر الزواج والرعاية العائلية. في زمن يصعب فيه على الكثيرين الإيمان بديمومة الزواج وبالأمانة الزوجية، إن مرافقة الزوجين تعني مساعدتهما لبناء بيتهما لا على هشاشة العواطف، بل على صخرة حبّ المسيح.
باختصار: الليتورجيا ليست مجموعة ممارسات، بل عمل المسيح نفسه الذي يواصل بناء كنيسته وشفائها ودعمها. لنجعل الصلاة القلب النابض لرعايانا، وعائلاتنا، ومدارسنا. الجماعة التي تصلّي لا تهرب من الواقع بل تتعلم أن تعيشه تحت نظَر الله، في نور الفصح الذي يُشعّ حتى حينما يكتنفنا الليل من كل جانب. فالرعايا هي بالفعل القلب النابض لحياتنا الجماعية؛ فيها تُوزّع الأسرار ونحتفل بالأعمال الليتورجية.
٢. العائلات: كنائس بيتيّة
إذا كانت الرعايا هي القلب النابض لحياتنا الجماعية، فالعائلات هي بمثابة التنفّس. في حضنها يُعلّم الإيمان ويُنقل ويُعاش. فيها يختبر الأطفال لأول مرّة الحبّ والغفران والثقة. فيها يتعلّم كل إنسان كيف ينظر إلى العالم طيلة حياته.
في زمن الشك والخوف الذي نعيشه، إن لعائلاتنا رسالة إضافية: أن تصبح مختبرات للمصالحة، ومدارس إنسانية، وكنائس منزليّة.
عند نفكّر في "تنقية الذاكرة"، من أين يمكن أن تبدأ إن لم يكن في العائلة؟ الآباء هم أوّل رُواة للأحداث. الطريقة التي يروون بها الماضي – بشكل كريه أو نزيه، بضغينة أو بثقة – تترك أثرها في الأبناء إلى الأبد. تربية الأبناء على العيش معًا تعني أيضًا قول الحقيقة، حتى لو كانت مؤلمة، دون نقل الكراهية. تعني تعليم الإنسان كيف يتذكر قصّة مؤلمة دون أن يطلب ثأرًا، وأن ينوح على موتاه دون أن يتمنى الموت للآخرين.
عائلاتنا هي المكان الأول الذي نتعلم فيه لقاء الآخر: جيراننا، زملاء الدراسة من ديانات أخرى، رفقاء العمل. إذا عاش الآباء علاقات قائمة على الاحترام والانفتاح، يتعلّم أولادهم أن مثل هذه العلاقات ممكنة. وإذا تحدّث الآباء بازدراء عن الذين يختلفون عنهم، يمتصّ أولادهم تلك السموم ويتجرّعونها، فتُسهم في صياغة نظرتهم إلى العالم.
ثم تأتي الصلاة. عائلة تصلّي معًا، كما يقول المثل القديم، تبقى متحدة معًا. لا حاجة لجُملٍ معقدة. إشارة الصليب، الصلاة قبل الطعام، صلاة مسائية قصيرة، فتح الإنجيل وقراءته معا أيام الآحاد، هي مبادرات صغيرة لكنها تخلق جوًّا إيجابيا وتذكّر الجميع – أطفالًا وكبارًا – بأن الله يسكن في البيت داخل هذه الجدران.
إنني أفكر بشكل خاص في العائلات المسيحية المختلطة، تلك التي تتعايش فيها تقاليد مختلفة. في إطار يمكن أن يحول الاختلافات الى خلافات، تبرز هذه العائلات كعلامة نبويّة تشهد أن المحبة أقوى من الحواجز، وأن اللقاء ممكن، وأن الوحدة يمكن بناؤها في التنوّع. نقدّم دعمنا وتقديرنا لمثل هذه العائلات.
أعلم جيدًا أن العائلات اليوم تحت ضغط الأزمة الاقتصادية، الخوف من المستقبل، إغراء الهجرة، والصعوبات اليومية. كثير من العائلات تعاني من الوهن والتعب. نحن نتألم معها. الكنيسة تريد أن تكون إلى جانبها، وتدعمها، وتساعدها على إعادة اكتشاف جمال مسيرتها.
إليكم أيها العائلات أقول: لا تشعروا بالعزلة. الكنيسة معكم. الرعية هي بيتكم. لا نستطيع بالتأكيد الوصول إلى الجميع أو توفير كل شيء لكم، لكن لا تخافوا من مشاركة كفاحكم، وطلب الإرشاد حين يبدو كل شيء مظلمًا. ولا تنسوا أبدًا رسالتكم: أنتم الشهود الأوائل للإيمان أمام أبنائكم. الأفعال تهم أكثر من الأقوال. وحياة المحبّة تهمّ أكثر من الخُطب.
أسأل مريم، أمنا الناصرية، التي تأمّلت وهي في بيتها الصغير وحفظت في قلبها عجائب الله، أن ترافق كل عائلة من عائلات أبرشيتنا. ولتُعلّمنا جميعًا فنّ العناية والجمع بين الأمور، والانتظار الصبور، والثقة في الانتظار.
٣. المدارس: مختبرات المستقبل
ربَّما كانت مدارسنا من أعظم الهبات التي تقدّمها الكنيسة لبلادنا. أجيال من الرجال والنساء – يهود ومسيحيون ومسلمون – تعاقبت على مقاعد مؤسساتنا. هذا ليس بالأمر البسيط، إنما رسالة حقيقيّة.
اليوم، مدارسنا مدعوة إلى فعل ما هو أكثر. إنها ليست مجرد أماكن للتعليم، بل ورشات حقيقية لإنسانية جديدة. إنها فضاءات نتعلم فيها العيش معًا، حيث لا يخيفنا الاختلاف بل يثرينا، وحيث يصبح لقاء الآخر فرصة للنمو لا للصراع. قال البابا لاون الرابع عشر، بمناسبة الذكرى الستين للوثيقة المجمعية "في شأن التربية المسيحيّة": "التعليم عمل يحمل رجاء ويتطلب حماسا مستمرا لأنه يُظهر الوعد الذي نراه في مستقبل البشرية" (رسم خرائط جديدة للرجاء، ٣.٢).
وفي الوقت نفسه، تبقى المدارس الأماكن الأساسية التي تنقل الوعي المسيحي. يجب أن يعرف أولادنا من هم، ومن أي تاريخ ينبثقون، وما هي الكنوز التي يحملونها في قلوبهم. فلا يمكنهم الشهادة لإيمان يجهلونه. أما الوعي الهشّ فينغلق على نفسه خوفًا، بينما الوعي الراسخ والناضج فينفتح على اللقاء.
لنتخيل مدارس لا تنقل المعرفة فقط، بل القدرة على إعادة قراءة التاريخ بعيون متحرّرة من الضغائن؛ فيها لا يُكبت الصراع بل يُعالج بأدوات فهم الآخر والحوار والاحترام، وتُرافق جودة التعليم جودة العلاقات. في هذه المدارس، الصلاة والصمت والإصغاء تساعد الشباب على تفسير الواقع دون خوف، وليس المعلمون والمربون فيها مجرّد ناقلين لمحتوى، بل شهودًا على أسلوب حياة.
يجب أن تصبح مدارسنا الأماكن التي تتجسّد فيها بشكل ملموس الرؤية التي أوجزناها في هذه الرسالة – أورشليم ذات الأبواب المفتوحة، تنقية الذاكرة، رفض العنف – وذلك من خلال المنهج التربوي وأسلوب الحياة اليومي. هنا يُحسم قسط كبير من مستقبل هذا الكوكب.
أنا مدرك تمامًا للمشاكل المزمنة – ليست المالية فقط – التي تعاني منها معظم مؤسساتنا المدرسية والأكاديمية. مؤخرًا، برزت قضية تصاريح المعلمين من بيت لحم، العاملين في مدارس القدس، مما يعرّض لخطر جدّي إمكانية المحافظة على الهوية المسيحية لمدارسنا. في هذا المجال أيضًا، للنزاع السياسي عواقب مباشرة على حياة الكنيسة، ويجب أن نفعل كل ما في وسعنا لمساعدة ودعم معلمينا، دون أن نستهين بأنفسنا. أوقات صعبة تنتظرنا في السنوات القادمة. ومع ذلك، ثمّة أمر واحد مؤكد: سنواصل بوداعة وإصرار الدفاع عن الطابع المسيحي لمؤسساتنا.
أقدّم جزيل الشكر للهيئات الإدارية والتدريسية ولجميع العاملين في مدارسنا. عملكم الشاق وأحيانا غير المنظور، هو استثمار في المستقبل. يومًا بعد يوم، أنتم تبْنون المدينة المستقبلية التي نحلم بها، مدينة لا يكون العيش المشترك فيها خيالا، بل خبرة نتعلّمها منذ الصغر.
٤. المستشفيات والعمل الاجتماعي: أوراق تشفي
ثمّة مكان يكون فيه الاستقبال والحوار والشفاء واقعًا معاشًا بالفعل. إنها مؤسساتنا الاجتماعية: مستشفياتنا، عياداتنا المتنقلة، دور المعاقين، دور الأيتام، مراكز الكاريتاس، كوبونات الطعام، ودور الإيواء. سفر الرؤيا يتكلم عن شجرة حياة أوراقها "تشفي الأمم": أعمالنا هي مثل تلك الأوراق، صامتة وخفيّة، لكنها قادرة على جلب الراحة لكل محتاج، دون طلب بطاقة هوية أو عقيدة دينية.
في مستشفياتنا، يولد اليهود والمسيحيون والمسلمون، ويُعالَجون، ويتألمون، ويموتون أحيانًا معًا. أطباء وممرضون من ديانات مختلفة يعملون جنبًا إلى جنب. في هذه المبادرات اليومية، محبّة الله حاضرة وتشفي انقسامات غالبًا ما تعجز الكلمات عن شفائها.
هنا يتجسّد الحوار. لا حاجة لخطابات كبرى. يكفي لفتة نحو إنسان متألم يحمل محنة، أو تقديم كأس ماء لعطشان، أو الوقوف إلى جانب محتضر. في هذه اللفتات، يصير حبّ الله حاضرًا وشافيًا.
مهمتنا الرعوية مزدوجة. أولًا، يجب أن ندعم هذه المؤسسات دعما سخيا لتتمكن من مواصلة رسالتها. تتزايد الصعوبات لصيانتها وتطويرها مع الحفاظ في نفس الوقت على روح الانفتاح والترحيب، وكذلك على احترافية الالتزام. سيكون هذا اختبارًا آخر نواجهه في السنوات القادمة.
ثانيًا، يجب التعريف بهذه المؤسسات لنظهر أن طريقًا آخر ما زال ممكنا. كثيرًا ما نصغي فقط لأصوات الكراهية، وقليلا ما يعرف الناس عن هذه المؤسسات الصامتة التي تحافظ على نسيج عيشنا المشترك.
لكل العاملين في مرافق الرعاية الصحية والاجتماعية، الأطباء، الممرضين، المتطوعين، والعمال، أعبّر عن شكري العميق. أنتم تلك الأوراق التي، منذ اليوم، وبصمت، تعالج أمراض زماننا. في أرض كل شيء فيها يدعو إلى الانقسام، أنتم تبْنون الوحدة. في زمن يشتد فيه الحقد، أنتم تحبّون بصمت. عملكم ثمين في عيني الله والجماعة.
٥. كبارنا في السن: الذاكرة الحيّة
ثمّة كنز في جماعاتنا نخاطر بعدم الاهتمام به كفاية: كبارنا في السن. في أرض تشيخ مثل أرضنا، هم أيضًا حضور ثمين يستحق الاهتمام والامتنان.
أجدادنا، كبارنا في السن، هم الذاكرة الحيّة للكنيسة. عاشوا حروبًا، وذاقوا خيبات أمل، وتحملوا نزوحًا، وعملوا لإعادة البناء. رأوا حدودًا وأعلامًا وسلطاتٍ تتغير. ومع ذلك، بقوا، وحفظوا الإيمان، ونقلوه، غالبًا في صمت، بتلك الرصانة التي تخص من تعلّم حقًا أن للكلمات وزنًا ويجب استخدامها بحذر. اليوم، كثير منهم يعيشون وحدهم. أبناؤهم غادروهم، باحثين عن مستقبل في مكان آخر. العائلات أكثر تفككًا من أي وقت مضى. عزلة المسنّين هي تحدٍّ يجب أن نتعامل معه بعيون جديدة.
في أورشليم الجديدة، كما رأينا، لكل واحد مكانته، ومنهم أولئك الذين لم يعودوا ينتجون، والذين فقدوا القدرة على الإسراع، والذين يحتاجون مساعدة في أمور الحياة اليومية البسيطة. في مجتمع يقيس القيمة بالإنتاجية والكفاءة، هم يذكّروننا بأن الكرامة لا تُفقد بالسن، وأن الحياة ثمينة ليس لما نفعله، بل لما نحن عليه. الحكمة تولد من الزمان والمحن التي نتحملها. حتى حين تشتدّ العزلة، لأن الأبناء بعيدون أو لأن العائلات تفكّكت، يبقى المسنّون كنزًا ثمينًا يجب الاعتزاز به. "المسنّون يساعدوننا على إدراك استمرارية الأجيال، لكونهم جسرا يسد الفجوات." (فرح المحبة، ١٩٢).
تتميّز رعايانا بأنها بيوت حقيقية لمسنينا؛ فهم ليسوا مجرد متلقين للخدمات، بل أشخاص نُصغي إليهم ونُحبّهم. نحن بحاجة إلى خلق المزيد من الفرص للقائهم، لنصغي إلى قصصهم، ونجمع حكمتهم، ونتعلم من تجاربهم. فالشباب، والعائلات، والكنيسة بحاجة إليهم.
إلى جميع المسنين في أبرشيتنا أقول: شكرًا لكم. شكرًا لوفائكم الصامت. شكرًا للصلوات التي ترفعونها ليلًا ونهارًا. شكرًا للصبر الذي تتحملون به ثقل السنين والعزلة. أنتم كالجذور العميقة، غير المنظورة، لكنها تبقي الشجرة قائمة. بدونكم، ستكون كنيستنا أكثر هشاشة.
مريم، عندما تقدّمت في السن، حفظت عجائب الله في قلبها. فلنتعلم منها، ومن شيوخنا، فنّ الانتظار الواثق والتطلع إلى مستقبل أفضل.
٦. الشباب: شجاعة ونبوءة
إذا كان المسنّون هم الذاكرة، فالشباب هم النبوءة. ففيهم تتكثّف التطلّعات والمخاوف وكذلك الطاقات الأكثر حيويّة في جماعاتنا. إنّهم يُظهرون أنّ لهذه الجماعة مستقبلًا لا يزال قائمًا.
شباب اليوم هم أول من يعاني من نقص العمل، وغلاء السكن، ومستقبل يبدو عقيمًا. تتزايد أسئلتهم حول انتمائهم لهذه الأرض ومستقبلها. لكن الشباب هم أيضًا أولئك الذين يجرؤون، ولا يتوقفون أبدًا عن طرح الأسئلة، دون أن يأخذوا شيئًا كأمر مسلم به.
إلى الشباب، إذن، أقول: لا تصدّقوا من يقول لكم إنه لا مستقبل هنا. أنتم تبنون المستقبل بأيديكم، بذكائكم وبإيمانكم. تريد الكنيسة أن تقف إلى جانبكم. ليس لدينا حلول ووصفات جاهزة، لكن لدينا يقينٌ واحد: بدونكم، يصبح بيتنا أشدّ فقرا. أطلب منكم أن تكونوا جريئين. لا تنغلقوا في الخوف، بل التزموا في بناء مدينتنا وأنتم واثقون.
لتكن رعايانا أماكن يشعر فيها الشباب بأنهم في بيتهم. ليس كمستفيدين من أنشطة فقط، بل كفاعلين أساسيين، حيث يمكنهم التعبير عن مواهبهم، وحيث لا تُشجب أسئلتهم بل يُرحّب بها، وحيث يمكنهم أن يقعوا في حبّ المسيح وكنيسته.
لترافقكم مريم العذراء القديسة، التي كانت فتاة صغيرة حين قالت لله "نعم" ، ولتعلمكم الشجاعة على الإجابة: "هأنذا".
٧. كهنتنا: مرجعية للجماعة
أفكّر الآن، بامتنان، في كهنتنا. إنّهم يقفون، يومًا بعد يوم، في وسط الناس، ليشاركوا جماعاتنا أتعابها وآمالها، وليكسروا كلمة الله وخبز الحياة.
كهنة رعايانا هم في الخطوط الأمامية. في هذا الزمان المعقد، الذي يتسم بالارتباك وعدم الثقة، مهمتهم أكثر حساسية وقيمة من أي وقت مضى. يحملون ثقل الرعاية، ساعين إلى جمع توجّهات مختلفة، والإصغاء لألم كل واحد دون تغذية الانقسامات، ليصبحوا علامة وحدة في سياقات غالبًا ما تكون مجزأة.
أطلب من كهنتنا أن يكونوا، للجماعات، مرجعية ثابتة وإيجابية، ليس مجرد موزّعين للأسرار – وهي مهمة أساسية – بل رجالًا قادرين على الإصغاء والتشجيع وبناء الجسور. لتأخذ كلمتكم، في زمن تغلب فيه الكلمات البالية والمسمومة، نبرة الثقة والرجاء. ليكن حضوركم حضورًا يوحّد ويجمع.
أعلم جيدًا أن العزلة والتعب وأحيانا عدم الفهم هي أعباء حقيقية. ومع ذلك فإن كثيرين منكم يواصلون العطاء بلا حساب، بصبر وسخاء. جزيل شكري، مع شكر الأبرشية بأسرها، موصول لجميعكم: على الأمانة التي ترافقون بها رعاياكم، على الشجاعة التي تجسّدون بها حضور الكنيسة، حتى في أصعب الظروف.
٨. الحياة الرهبانية: حراس الفجر
ثمّة حضور صامت آخر يعبر أبرشيتنا بأكملها، غالبًا ما يكون خفيّا لكنه أساسي: حضور الرهبان والراهبات. هم حراس الفجر والليل (راجع أش ٢١: ١١-١٢).
بحياتهم المكرّسة والصلاة، يذكّروننا كلّ يوم بأنّ هناك «سماءً جديدة». في زمنٍ يبدو فيه كلّ شيءٍ مختزلًا في أفق السياسة الضيّق، والبقاء، والخوف، يرفعون أنظارهم ويذكّروننا بأنّه من دون الله ينهار، عاجلًا أم آجلًا، كلّ بناءٍ بشري. وكما كان يذكّرنا القدّيس يوحنّا بولس الثاني، فإنّ شهادتهم هي شهادة نبويّة على أولويّة الله والخيرات الآتية، تنبع من اتّباع المسيح ومن محبّة الإخوة والأخوات (راجع الحياة المكرسة، ٨٥).
أفكر بشكل خاص في أديرتنا التأملية، وفي أولئك الذين يعيشون ويعملون بعيدا عن المدينة، ويخدمون في المدارس والمستشفيات والرعايا ودور العناية بالمسنين. غالبًا ما يكون حضورهم خفيا ويكاد يكون غير مرئي، لكنه أساسي. في صمت الصلاة وأمانة الخدمة اليومية، يشهدون بأن الحياة المسيحية لا تُقاس بالكفاءة أو الظهور، بل بالأمانة والمحبة. في أرض تتسم بالانقسامات، يبنون بحضورهم نماذج تثبت أن العيش المشترك ممكن رغم تنوع الانتماءات.
أفكر بامتنان خاص بأولئك الذين، في أشهر الحرب هذه، شاركوا شعبنا مصيرهم إلى النهاية. فقد عانى الرهبان والراهبات مع الناس ومثلهم من الجوعَ والخوفَ والقصف. وعندما بدا أنّ كلّ شيء ينهار، كان حضورهم علامةً قويّة على أن الله لا يتخلّى عن شعبه. وحين بدا أنّ الموت هو الغالب، واصلوا الصلاة والخدمة والبقاء إلى جانب الجميع.
ونوجِّه كلمة شكرٍ أيضًا إلى المتطوّعين المسيحيّين الذين، على الرغم من الحرب، ما زالوا يأتون إلى الأرض المقدّسة للخدمة في المدارس، والرعايا، وأوضاع الفقر. وإلى جميع الرهبان والراهبات في أبرشيّتنا أقدّم شكري الأصدق: بأمانتكم الصامتة أنتم خبراء في عيش الشركة الأخوية وبناةٌ للوحدة. أنتم لا تُحدثون ضجيجًا، بل تبنون؛ لا تسعون إلى الظهور، بل تزرعون الخير. إنّ حضوركم نبوءة حيّة في الأرض المقدّسة.
٩. الحوار المسكوني
في أبرشيتنا، أصبحت العائلات المسيحية اليوم في غالبيتها مختلطة. أطفالنا يذهبون إلى المدرسة معًا، يدرسون نفس الكتب، ويتشاركون نفس المستقبل. الحياة اليومية تتجاوز بطبيعة الحال التمايزات الطائفية الجامدة، مظهرة قدرة على الأخوة بين أبناء الكنائس المختلفة، ونحن مدعوون للحفاظ عليها. في الأرض المقدسة، الحوار المسكوني – أو بالأحرى، العلاقة الملموسة بين الكنائس المسيحية المختلفة – ليس خيارًا أو تمرينًا مخصصًا للخبراء: إنه واقع رعوي يومي وبعد تأسيسي لحياة كنيستنا.
لا يمكن لأي كاهن رعية أن يرافق جماعته دون أن يأخذ في عين الاعتبار الكنائس المسيحية الأخرى التي تعيش في نفس المنطقة. مهمتنا تتم حتمًا ضمن شبكة من العلاقات، تتطلب الاحترام والتنسيق ورغبة صادقة في الشراكة.
إحدى الصعوبات الأكثر إيلامًا تتعلّق باختلاف التقاويم الليتورجيّة، ولا سيّما في ما يخصّ عيد الفصح. ففي بعض مناطق الأبرشيّة قد يحدث أنّ تحتفل جماعةٌ ما بالقيامة، فيما تبدأ جماعةٌ أخرى زمن الصوم الكبير في الفترة نفسها. إنّها حالة مؤلمة، ولا سيّما بالنسبة إلى العائلات، وقد ظلّت منذ زمن طويل تطرح تساؤلًا على ضمير الكنيسة.
لقد جرى نقاش واسع حول سبل معالجة هذه المسألة، وأحيانًا يتأرجح النقاش بين اعتماد الجميع للتقويم الغريغوري أو التقويم اليولياني، بحسب الموسم. غير أنّ الحقيقة هي أنّ حلًّا نهائيًّا لم يتبلور بعد. فأيّ خيارٍ يُتَّخذ لن يكون قادرًا على تلبية جميع الاحتياجات المتنوّعة والمتعدّدة لكنيستنا.
لذلك نحن مدعوّون إلى عيش هذه المعاناة بروح الصبر، مع تعزيز المشاركة المتبادلة والتقاسم الأخوي، ومواصلة الصلاة والرجاء في مسيرةٍ لا يمكن أن تولد من قراراتٍ مجرّدة، بل من نضوجٍ مشترك.
في القدس، نشعر بثِقَل الانقسامات بين كنائس العالم إذ تنعكس آثارها تنعكس بصورةٍ ملموسة على جسد كنائسنا. إنّ دعوتنا لا تقتصر على أن نكون أداة شفاء للمدينة وللشعوب فحسب، بل أيضًا أن نحمل في حياتنا اليوميّة صليبَ الكنيسة الجامعة، التي يخفق قلبها هنا. وليس مستبعدًا أنّه إذا تمكّنّا يومًا من القيام بخطواتٍ ذات شأن في هذا المجال، فإنّ الكنيسة الجامعة بأسرها قد تجني فائدة من ذلك.
تتّسم العلاقات بين الكنائس، في العادة، باللباقة والاحترام المتبادل، سواء على صعيد الرؤساء أو في الحياة الرعويّة. إنّه دليل نضجٍ يجب الحفاظ عليه. غير أنّه لا بدّ من الاعتراف بأنّ بعض المواقف قد شهدت في الآونة الأخيرة نوعًا من التصلّب، وأنّ سوء الفهم والتوتّرات بدأت تظهر في بعض المناطق، وأحيانًا بشكلٍ مؤلم. وفي مثل هذه الحالات، تكون التجربة هي الردّ بإقامة حواجز جديدة واعتماد نفس اللغة التي يستخدمها الآخر.
ومن دون سذاجة، نحن مدعوّون إلى أن نبقى أوفياء لأسلوب حياة يتّسم بالوداعة وتقبّل الآخر، محافظين على نظرةٍ منفتحة ومستعدّة للّقاء من دون أن نفقد في الوقت نفسه هويّتنا وتاريخنا، ومع البقاء أوفياء لدعوتنا.
لهذا السبب، من المهم تعزيز فرص التفاهم الملموسة: التبادلات بين رعايا من كنائس مختلفة، لقاءات بين الكهنة والمسؤولين عن راعوية الشباب. فالتعرف الحقيقي المتبادل وحده يتيح لنا تجاوز الأحكام المسبقة والجهل.
ثانيًا، يفرض علينا الواقع أن نتكلّم بصوتٍ واحد، لا في القضايا الاجتماعيّة والسياسيّة فحسب، وهو ما نقوم به بالفعل، بل أيضًا في القضايا الأخلاقيّة الأساسيّة، مثل الدفاع عن الحياة، والمساواة بين الشعوب، واحترام الكرامة الإنسانيّة، ومعالجة اللامساواة الاجتماعيّة وحقوق الفقراء، وسائر القضايا التي تمسّ حياة الإنسان.
وفي أعماق قلبنا، ينبغي أن يبقى قصدُنا منفتحًا على الشموليّة، متّسمًا بالترحيب، ومتّجهًا نحو الوحدة، من دون سذاجة، ولكن أيضًا من دون استسلام أو تراجع. لأنّ أوّل مشقّة في خدمتنا، وأوّل شهادة نُدلي بها، هي الوحدة في ما بيننا.
١٠. الحوار بين الأديان: لا جزيرة بل مدينة
كما أشرنا سابقًا، إنّ الحوار بين الأديان يمرّ اليوم بمرحلة صعبة. فالمسيحيّون واليهود والمسلمون يواجهون مشقّة في اللقاء، وقد حفرت الشكوك أخاديدَ عميقة، حتى إنّ كثيرين يتساءلون عمّا إذا كان لا يزال من المجدي الإصرار على هذا الطريق.
ومع ذلك، ففي هذا الزمن الشديد الصعوبة تحديدًا، لا يكون الحوار نزوةً لقِلّة، ولا خيارًا من بين خيارات أخرى، بل هو ضرورةٌ حيويّة. فمصائرُنا متشابكة. لا يمكننا أن نبني المستقبل بمفردنا، ولا أن نتخيّل عيشًا مشتركًا يتجاهل الآخر. وبالنسبة إلينا نحن المسيحيّين، كما رأينا، فإنّ الحوار ليس مجرّد استراتيجية رعويّة، بل هو جزء لا يتجزّأ من دعوتنا ومن مصيرنا، وهو الشكل الذي يُبرز كوننا كنيسة.
غير أنّه لا بدّ من القيام بخطوة انتقال: من حوار النخب إلى حوار الحياة. فلقاءات الاختصاصيّين والبيانات الرسميّة مهمّة، لكنها غير كافية. ينبغي للحوار أن ينزل إلى رعايانا، إلى الأحياء، إلى العلاقات اليوميّة. علينا أن نتعلّم كيف نتحدّث مع الآخر، لا فقط عنه؛ وأن نصغي حقًا إلى قصّته، وألمه، ومخاوفه. هكذا فقط نتجاوز المنطق الذي لا يعترف بقيمةٍ إلا لمعاناة الذات وحدها.
وتُمثّل المدارس مكانًا مميّزًا لعيش هذا الحوار. إنّ قاعاتِنا الصفّيّة هي بالفعل مختبرات ومساحات للعيش المشترك. هنا يمكن تربية الشباب لا على معرفة الأديان فحسب، بل على فنّ اللقاء، ومساعدتهم على تنمية نظرة نقديّة قادرة على مقاومة السرديّة الواحدة للكراهية.
كذلك تُعَدّ الأعمال الاجتماعيّة، كالمستشفيات، وكاريتاس، ومراكز الإصغاء الاجتماعية، أماكن يحدث فيها حوار يوميّ، وغالبًا في صمت، من خلال الخدمة المشتركة للفقراء والمرضى. هنا يحدث بالفعل، بهدوء وبدون شروط، "شفاء الأمم" الذي يتكلم عنه سفر الرؤيا.
وماذا عن الغفران؟ أعلم، إنها كلمة صعبة في هذا الظرف. لكننا مسيحيون، ويسوع هو المعلّم الأوحد بلا منازع للغفران. فالغفران لا يعني النسيان، ولا تبرير الشرّ، بل يعني كسر حلقة الكراهية، والشهادة لإمكانيّة ذلك، حتّى حين يبدو مستحيلاً. قد يبدو كلّ هذا ساذجًا، لكنّها رسالتنا. الطريق صعب، وأنا واعٍ لذلك. لكن لا ننغلق على أنفسنا دونه. مهمتنا تبقى أن نكون ملحًا ونورًا، وأن نخلق فرصًا للثقة، حتى حين تبدو الكلمات غير كافية.
١١. ضد ثقافة العنف
لقد رأينا أنّه لا يدخل إلى أورشليم الجديدة من يُحبّ الكذب ويمارسه، ومن يمارس العنف. لذلك يجب أن يصبح رفضُنا للعنف رفضًا كاملًا وواضحًا. لقد قلنا هذا مرارًا، لكن ذلك لا يكفي: علينا أن نعيشه، لا في الأفعال فحسب، بل في الكلمات أيضًا. فنحن نعيش غارقين في فيضٍ من الكلمات العنيفة التي تحوّلت إلى لغةٍ شائعة، ونحن المسيحيّين أيضًا معرّضون للسقوط في هذا الفخّ.
فما العمل إذًا؟ أوّلًا، لنقم بفحصِ ضميرٍ حول لغتنا. في العظات، وفي التعليم المسيحي، وفي العائلة: لنتعلّم أن نسمّي الأمور بأسمائها من دون أن نُحوِّل الآخر أبدًا إلى عدوّ. ففي أيّ ظرف، يبقى الآخر دائمًا شخصًا يستحقّ الاحترام.
وفي العائلات، لِنُربِّ أولادنا على عدم استعمال كلمات الكراهية، وعلى عدم مشاركة الأخبار الكاذبة، وعلى التمييز بين النقد المشروع والإهانة. أمّا في وسائل إعلامنا، فلنكن قدوة: لنقدّم نحن معلومات تبحث عن الحقيقة وتُعزّز الفهم، لا المواجهة والصراع.
نشعر بالعجز أمام قانون الأقوى، ولكن سفر الرؤيا يذكرنا بأن قوّة الله هي قوّة الحمل: الوداعة التي لا تستسلم، المحبة التي لا تخضع للكراهية، والغفران الذي ينزع سلاح العدو. فلتكن هذه "سياستنا". يذكرنا البابا لاون الرابع عشر بهذا جيدًا في رسالته الأولى عن السلام: "العالم لا يخلُص بشحذ السيوف، ولا بإدانة إخوتنا وقمعهم وإقصائهم. بل يخلُص بالسعي الدؤوب إلى الفهم والغفران والتحرير وتقبّل الجميع، من دون حسابات ومن دون خوف" (الاحتفال الإفخارستي في عيد مريم العذراء والدة الله – اليوم العالمي التاسع والخمسون للسلام، ١ يناير ٢٠٢٦).
لنكن فاعلين نشطين في مجال العيش المشترك: فلندعم ولنُبرز العديد من المبادرات الصغيرة التي تعمل من أجل المصالحة والحوار. إنّها علامات ثقة ملموسة.
ولنرفض أي تواطؤ مع ثقافة العنف. ولاؤنا هو للحمل، لا لمنطق القوة. من أينما أتى، وأيًا كان الوجه الذي يأخذه، لم يكن العنف أبدًا طريق الإنجيل.
- الثقة: مسيرة ضرورية معاكسة للتيار
في الجزء الأوّل من هذه الرسالة تكلّمنا عن الشكّ. إنّه شعورٌ منتشر في جماعاتنا: شكّ تجاه المؤسّسات، والسياسة، والكلمات، وأحيانًا حتّى تجاه المستقبل. لكن يجدر بنا أن نعترف بأنّ الشكّ، عندما يتحوّل إلى موقفٍ دائم، ينتهي إلى الشلل. وأمام هذا الشكّ، نحن مدعوّون إلى أن نجيب بالثقة.
لا يتعلّق الأمر بتفاؤلٍ ساذج أو بموقفٍ يتجاهل قساوة الواقع. فالثقة المسيحيّة تنبع من الإيمان، وهي خيارٌ يسير عكس التيّار. إنّها اليقين بأنّ الله لم يترك التاريخ للفوضى، وأنّه يبقى قريبًا من المتألّمين، ومن المضطهَدين، ومن المُهمَّشين. وهي القناعة بأنّ حياةً تُبذَل وتُعطى بدافع المحبّة لا تضيع أبدًا.
لنتأمّل في إبراهيم وسارة. من الناحية البشريّة، لم يكن أمامهما أيّ أفق. ومع ذلك، زارهما الله وأودع لديهما وعدًا. فالثقة تولد دائمًا من زيارة الله. لذلك يجب أن نصلّي لكي يظل الرب يزور جماعاتنا، وعائلاتنا، وقلوبنا. فقط هكذا يمكن أن يُولَد رجاء لا يُخيِّب.
وعمليًّا، تدفعنا هذه الثقة إلى دعم وإبراز كلّ المبادرات والأشخاص والفعاليات التي، في أرضنا، ما زالت تؤمن بالآخر وتُعزِّز فنّ اللقاء. لكن لا يجوز أن نكتفي بما يفعله الآخرون: نحن مدعوّون إلى أن نصبح نحن أنفسنا روّادًا لهذا الأسلوب في الحضور، مدافعين شخصيًّا عن الوحدة بكل شجاعة.
قد يظنّ البعض أنّها لفتات غير ذات شأن، لأنّه "لن يتغير شيء هنا أبدًا". لكن حتّى لو كان الأمر كذلك، لا يمكننا أن نتخلّى عن إحداث الفرق. نريد أن نكون ذلك الحضور الصغير، وأحيانًا المزعج، الذي لا ينقاد لسرديّات الكراهية، بل يُعلن، بوداعةٍ وعزم، روايته الخاصّة: المسيحيّون لا يكرهون. هذه هي شهادتنا، وهي في نبوءة بالفعل.
١٣. تقبّل الآخر: نَفَسُ المحبّة
لا بدّ من مواجهة الخطر الكامن الذي يواجه كلّ جماعة، ولا سيّما عندما تكون صغيرة مثل جماعتنا: خطر الانغلاق والتحوّل إلى قلعةٍ حصينة. فالتجربة هنا هي حماية ما تبقّى لنا، والدفاع عن الحدود، والحفاظ على الهويّة - وهو موقف مفهوم، نعم، لكنّه ليس مسيحيًّا. المحبّة التي يعلّمنا إيّاها يسوع لا تعرف حدودًا. وعندما سُأله أحدهم عن أعظم الوصايا، ربط بين محبّة الله ومحبّة القريب بشكل لا ينفصم. والقريب، في مَثَلِه، هو سامريّ، غريب، مختلف، شخصٌ لم يكن يتكلَّم معه أحد. إنّ أبوابَ أورشليم - كما رأينا - مفتوحة دائمًا، وهي تبقى قائمة بقدر ما تُحسِن الاستقبال والترحيب بالجميع.
لا يعني الاستقبال مجرّد فتح الأبواب أمام القادمين من الخارج، والمهاجرين، واللاجئين، والحجّاج، والفقراء من أتباع ديانات أخرى، بل يعني أيضًا قبول بعضنا بعضًا، متجاوزين الانتماءات التي تُفرّقنا. ففي أبرشيّتنا نفسها نجد كاثوليك من الطقس اللاتيني والشرقي، الناطقين بالعربيّة والعبريّة، ومؤمنين من ثقافات وأمم متعدّدة: فلبّينيّين، وهنود، وأمريكيّين جنوبيين، وأفارقة، وأوروبيّين. نحن جميعًا عائلة واحدة، ولسنا أرخبيلًا من الجزر المتناثرة.
والقبول يعني أن ننظر إلى الآخر، أيًّا كان، لا كغريبٍ نتحمّله، بل كعطيّة نقبلها. ويعني أن نسمح لاختلافه بأن يتحدّانا ويُغنينا. ويعني الخروج من منطق «نحن» و«هم» للدخول في منطق «نحن» الذي يوحّدنا ويشملنا جميعًا.
أعلم جيّدًا أنّ كلّ هذا ليس سهلًا في الوضع الذي نعيش فيه. فالمخاوف كثيرة، والهوية تبدو هشّة. لكنّ الضمير المسيحي ليس حصنًا يجب الدفاع عنه، بل نبعًا يتدفّق. فالنبعُ المغلق يتحوّل إلى مستنقع، أمّا الماء الجاري فيبقى حيًّا ويمنح الحياة، كالنهر الذي ينبع من قلب الحمل.
لتكن جماعاتُنا أماكن يمكن للجميع فيها، مهما كانت أصوله، ولغته، وثقافته، وإيمانه، أن يشعروا بالترحيب والإصغاء والمحبة. هذا لا يعني فقدان هويتنا، بل عيشها في أصدق صورها، وهي وصيّة المحبّة التي لا تستثني أحدًا.
الخاتمة
العودة إلى أورشليم
بلغنا نهاية هذه الرسالة الطويلة. وربّما يشعر بعضكم، وقد وصل إلى هذا الحدّ، بالتعب أو بالحيرة: مواضيع كثيرة، وخبرات متنوّعة، وتوجيهات متعدّدة. وقد يلوح الخطر حين نشعر بالتعب فنقول: «كيف يمكننا أن نقوم بكلّ هذا؟»
الجواب بسيط: لا يمكننا ذلك. لا يمكننا بمفردنا. لكنّنا لسنا وحدنا.
فيسوع المسيح نفسه قال: «حيثما اجتمع اثنان أو ثلاثة باسمي، كنت هناك بينهم» (متّى 18: 20). وهذا حقّ نشهد له، وقد اختبرناه بالفعل، حتّى في هذا الزمن. لذلك ندعوكم إلى «ألاّ تنقطعوا عن اجتماعاتكم» (راجع عب 10: 25). إنّ يسوع ينتظرنا في رعايانا، وفي جماعات إيماننا، وفي مجموعاتنا وحركاتنا الكنسيّة. إنّ إلهام الروح القدس متاح في حياتنا اليوميّة، من خلال الكتاب المقدّس، والصلاة الشخصيّة، ولقاء الآخرين، وخدمة الفقراء. وحتى عندما تراودنا تجربة التراجع أمام الآلام والشرور التي تحيط بنا، فإنّه بالذهاب نحو الآخر نلتقي بالمسيح ونجد تعزيته.
لقد تحدثنا عن الحوار المسكوني والحوار بين الأديان، ورفض العنف، والصلاة، والمدارس، والعائلات، والعمل الاجتماعي، والحياة الرهبانية، والمسنّين، والثقة، والترحيب. لقد رسمنا رؤية: رؤية أورشليم السماوية، المدينة ذات الأبواب المفتوحة دائمًا، المضاءة ببهاء الحمل، والتي أوراقها تشفي الأمم.
والآن ينبغي لكلّ هذا أن يستمر في التبلور، ليس دفعةً واحدة، ولا بأعمال بطوليّة مستحيلة، بل خطوةً خطوة: في رعايانا، وفي عائلاتنا، وفي أماكن عملنا ولقاءاتنا. ومن خلال إعادة قراءة هذه الصفحات بهدوء، وتقاسمها ومناقشتها في مختلف الأطر الكنسيّة والرعويّة، من دون عجلة وبالتدرّج، يمكنها أن تصبح عونًا عمليًّا لفهم رسالتنا في الأرض المقدّسة فهمًا أعمق.
لأنّ ما يسندنا في النهاية ليس قوّتنا الذاتية، بل فرح الإنجيل. فرحٌ لا يعتمد على الظروف، ولا يخبو حتّى عندما يبدو كلّ شيءٍ غارقًا في الظلام. فرحٌ يولد من اليقين بأنّ الربّ معنا، لا يتخلّى عنّا، ويسير إلى جانبنا حتّى في أحلك الليالي، لأنّه قام من بين الأموات. وهو حيّ بيننا.
ويَختَتم لوقا إنجيله بصورةٍ جميلة جدًّا: فبعد صعود يسوع، «رجع التلاميذ إلى أورشليم وهم في فرحٍ عظيم» (لوقا 24: 52). كانوا قد اضطربوا، وخافوا، وشكّوا. لكنّهم في النهاية عادوا ممتلئين فرحًا.
ونحن أيضًا نرغب في العودة إلى "قُدسِنا" اليوميّة، إلى بيوتنا، ورعايانا، وجماعاتنا، والتزامنا اليومي، بذلك الفرح نفسه. ليس فرحًا ساذجًا يتجاهل المصاعب، بل فرحًا فصحيًّا، يدرك أنّ النور يغلب الظلمة، وأن الحياة تهزم الموت، وأنّ المحبّة تنزع سلاح الكراهية.
لنعد إلى أورشليم بفرح. لنعد إلى حياتنا بشغف. لنحمل في قلوبنا حُلم الله لمدينة، ولنسمح لذلك الحُلم أن يصير، خطوة خطوة، يومًا بعد يوم، حياتنا ذاتها.
لترافقنا مريم، أم الله وأم الكنيسة، ملكة فلسطين وكل الأرض المقدسة، شفيعة أبرشيتنا، في هذه الرحلة.
ولتنزل على جميعكم بركة الله الآب القدير الرحيم، أبي الجميع.
القدس، ٢٥ نيسان ٢٠٢٦
عيد القديس مرقس الإنجيلي
+بييرباتيستا الكاردينال بيتسابالا
بطريرك القدس للاتين
[1] كلمة أورَشليم (بفتح الراء) في الرسالة لا تتضمن دلالات سياسية ولا تُشير إلى ما هي عليه اليوم، بل إلى الاسم القديم للقدس كما ورد في الكتاب المقدس، ولا سيما في سفر الرؤيا. وعندما نقصد المعنى الحالي للمدينة، فسنسمّيها "القدس". وسيتّضح من النص أنّ أورشليم السماوية هي رمز وصورة مثاليّة لكنيستنا المحلية ولأبرشيتنا المنتشرة في عدة مناطق من الشرق الأوسط هي فلسطين، وإسرائيل والأردن وقبرص. (ملاحظة من المترجم)

